الحديث عن الحاجة إلى سياسة إعلامية الذي يتبناه المجلس الأعلى للإعلام طرح لا منطقي بامتياز. والتذرع بضرورة بلورة سياسة إعلامية شرطا للوصول إلى أداء إعلامي متطور هروب إلى أمام من مواجهة ضرورات تحسين مستوى المنتج الصحافي.
ليس في المصطلح الإعلامي المحترف شيء اسمه سياسة إعلامية. هناك برامج وخطط إعلامية تعتمدها الحكومات للترويج لسياساتها الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو غيرها.
أما الحديث بمنطق الحاجة لسياسة إعلامية فهو انعكاس لفهم مغلوط لدور الإعلام يفترضه جسداً متناسقا منسجما يعزف من ذات الورقة الموسيقية. وهذا منطق كان يجب أن يدفن مع تجارب الحكم الشمولي التي وظفت وسائل الإعلام أدوات تأطير وحشد وحاصرتها في سياسة إعلامية لم تعن يوماً، ولن تعني، إلا قيوداً على العمل الصحافي.
الأداء الإعلامي المقنع لا ينضج إلا في بيئة ديمقراطية تحترم التعددية وترفض، قانوناً وثقافة، وجود قيود تحاصر الإعلام وتبقيه أسير "سياسة إعلامية" تقررها الحكومة.
حق لأي حكومة، بل ضرورة لها، أن تضع برامج وخططا لتسويق أفكارها ومواقفها وسياساتها. لكن لا يحق لها، في أي حال من الأحوال، فرض هذا البرنامج على الصحافة أو التدخل في عملها. الحد الأقصى للمساحة التي يجب أن تتاح للحكومات في هذا الإطار هو محاولة إقناع الصحافة بوجهة نظرها.
الصحافة مهنة. ولهذه المهنة شروطها ومعاييرها وأخلاقياتها. وليس مطلوبا من الصحافة سوى التزام هذه المعايير حتى تخدم قراءها ومجتمعها.
الحكومات حتى اللحظة تعيق عمل الصحافة. فلا حق الوصول إلى المعلومة مصان، ولا النظرة الرسمية إزاء الصحافة تغيرت بما ينسجم بشكل كاف مع متطلبات تطور صحافة مستقلة فاعلة. والنتيجة أن الصحافة ما تزال دون المستوى المطلوب، تعاني في آن ضيق مساحة العمل وغياب تقاليد مهنية حرفية حالت البيئة السياسية والسيطرة الحكومية التاريخية على وسائل الإعلام دون تطورها.
يخطئ من يقولون بضرورة تطور الإعلام حين يطرحون فكرة إنتاج سياسة إعلامية شاملة. فوجود هذه السياسة هو السبيل الأقصر لإبقاء الصحافة أسيرة السلطوية والمحاصرة. ما تحتاجه الصحافة حتى تتطور واضح: قوانين تكرس حريتها واستقلاليتها وحقها في العمل من دون أي تدخل، وثقافة عامة تنزع ثوب الوصاية عنها ومؤسسات إعلامية ناضجة ترتكز في عملها إلى تقاليد مهنية راسخة.
غير ذلك، يبقى الكلام عن حرية الصحافة جعجعة من دون طحن.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد