في يوم ماطر وبارد جدا العام الماضي، وأقصد في يوم قريب جدا من نهاية العام الماضي، كنت وجها لوجه أمام مشهد حقيقي، أستطيع أن أعتبره موجزا بانوراميا لأحداث العام بامتياز.
امرأة في منتصف الأربعينيات من عمرها، تقف وسط محطة وقود، وبيدها قارورة زيت سيارات فارغة، بدون غطاء، تحاول إقناع أحد العمال أن يملأ لها قليلا من الكاز، وتستجديه بكلمات غير مسموعة، بالنسبة لي أنا الجالسة بدفء سيارتي، أنتظر دوري لملء خزان الوقود.
لكن لا حاجة لنا في مثل هذه اللقطات، لحاسة السمع. فخبرتنا في مشاهدة مواقف الاستجداء تختصر الجمل والعبارات وحركات اليدين والعينين، إلى مجموعة بعينها من المحفوظات.
العامل طبعا لم يكلف نفسه عناء النظر إلى السيدة، ويتحرك بشكل آلي بين السيارات، يخرج من جيبه عشرات الدنانير، من كل الفئات، يعيد عدها بشكل استفزازي أمام الأم المكلومة ببرد أطفالها وجوعهم، يرتشف من كأس شايه الساخن، ويصرخ في وجه زملائه بكلمات نابية، وكأن المرأة خيال لا تحده ملامح أو على الأقل ملابس، تنم عن وجود شخص من لحم ودم في الجوار.
المهم أنه بشكل ما، استطاعت المرأة أن تملأ عدة جالونات صغيرة، كلها بدون غطاء، ووضعتها مجتمعة على حافة الرصيف المؤدي إلى خارج المحطة، وطفقت تبحث عن أكياس نايلون تغلق بها أفواه القوارير. وبمجرد أن أدارت وجهها، قام شاب مستهتر، بدون أدنى مسؤولية، بالرجوع إلى الخلف بسيارته، وهو يتحدث بهاتفه الخلوي، وطبعا أطاح أرضا بالجالونات الصغيرة، لينسكب الكاز على الرصيف، وتسوى قوارير البلاستيك بالأرض، ويضيع حلم المرأة البسيط في لحظة!
بالضبط.. هذا هو المشهد الذي أعتقد أنه أقرب إلى حقيقة العام الفائت. فقر مدقع، كرامة مجروحة، عبد مأمور، خوف من صاحب المصلحة، كأس شاي هو كل الرضا، فوهات مفتوحة، وأحلام تنسكب على الإسفلت، فقط لأن هناك أناسا لا يكلفون أنفسهم عناء النظر إلى الخلف!
وبعد..
ليس بيدي حيلة إلا أن أعود إلى قواعد اللعبة، وأكتب بشكل متفائل في أول يوم للسنة الجديدة. وبهذه المناسبة الجميلة، لا يسعني إلا أن أتمنى لقراء "الغد" الأعزاء أياما أكثر استقرارا وأمنا وجمالا. أتمنى لأهلي وأصدقائي أن يحظوا بأيام تملؤها السعادة والهناء وراحة بال.
أتمنى لوطني أن يتسع صدره أكثر لزفراتنا، أتمنى لأمتي أن تكفكف جراح مصابيها من معركة الانعتاق. أتمنى أن تمطر لكي تشرب الأرض ماء، وماء فقط. أتمنى أن ينعم الأطفال جميعهم بمساءات هادئة وأعترف أنني ضعيفة في كتابة هذا النوع من العبارات، وإنني أنقاد تلقائيا لأمنية لا تغادر وجداني.
أتمنى فقط، في المرات القادمة، أن تجد المرأة تلك سدادة لقارورتها الصغيرة!
المراجع
www.alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ