"أجمل القصص تلك التي لم نعشها بعد!"، هذه الجملة ألقاها في حضن صديقة محبطة، اتصلت به لتبحث عن مكانه، وتجلس معه لتزاول هوايتها الجديدة التي ابتدعتها منذ عام تقريبا، البدء بسرد الحكاية بهدوء وترو، ثم رغرغة في العين مع إنكار تام أنه سيتطور إلى بكاء، خاصة وأنهما يشربان القهوة المرة في مكان محترم، فالانفجار المحتوم الذي لم يصبر أن يؤجل دقائق قليلة، لحين إعادة باقي الحساب!
وعلى الرغم من أن تفاصيل المتن تختلف كل مرة، إلا أن البدايات دائما واحدة، تستهل بالاعتذار عن إضاعة وقته وكركبة يومه، بهذا اللقاء الذي لم يكن ينفع أن يؤجل. وأنها تعرف كم من اللوم سيوقعه عليها، بعدما يسمع باقي الحكاية. وأنها أيضا تعترف بأنها انزلقت إلى حنانها وطيبتها مجددا، ولم تستمع إلى النصيحة نفسها التي يمليها عليها كل شهر تقريبا. ثم ترجوه أن يخفف من وطأة اللوم بعدما يعرف ماذا فعلت!
حتى النهايات تقريبا واحدة، تدور كلها في فلك القسم بالله وبروح الوالد وعيني ابنة الأخت المدللة، أنها لن ترد على رنات هاتفه، حتى لو انفجر الجهاز. "أصلا هو لن يتصل" تقول هي!، وأنها لن تبحث وراء أخباره على صفحته في "الفيسبوك" كي لا تغتاظ أكثر. وأنها ستربأ بنفسها عن حركات زمان، فلن تكتب جملا ملغومة على صفحتها، ولن تعرض صورها وهي في الملابس القصيرة بهدف إغاظته، ولن تتعمد أن تمر بسرعة بسيارتها، من أمام باب الشركة التي يعمل بها. ولن ترسل له كلمات مبهمة "بالخطأ" على أساس أنها رد على رسالة من أحدهم! ولن تهتم أو يهتز بدنها إن عرفت من زميلته "الجاسوسة"، أنه يقضي وقتا أطول وهو يدخن خارج المكتب.
السيناريو نفسه تقريبا، يعيشه هو كلما أغلق حبيبها الهاتف، بعد مشاجرة كبيرة بينهما، دائما مقامها الشك والغيرة. لدرجة أنه نفسه قرر أن لا يرد عليها، حين يمر على الصلحة، أكثر من أسبوعين. لأنها ببساطة إنسانة تعرف كيف تكذب على نفسها وعلى الآخرين. وتملي عليه طرائقها في تصديق ما تقول.
ربما لا تكذب في سرد التفاصيل، لكنها بالتأكيد تبالغ في تصوير الحدث بما يتلاءم مع إحساسها الدائم، أنه يخونها ويستهزئ بمشاعرها، ويستغل حبها لنيل لحظات من السعادة، تختفي بمجرد الخروج من الدائرة!
حتى هذا الموضوع، لا تخجل من التطرق إليه، ولو مصادفة، فقط لتوصله إلى نتيجة واحدة، أنها ضحية الحب والإخلاص.
وهو.. الذي يعتقد أنه تحول إلى حائط تضع رأسها عليه، تبكي ثم تمضي، أصبح لا يستمع إلى الكلمات. صار لقاؤه معها أصم أبكم. يشاهدها وهي تلوح بيديها، ويراقب تقلبات وجهها المستنفرة، وينتظر دموعها التي ستنهمر بعد لحظات يعرفها جيدا، يشاغلها بحوادث بسيطة خلال الجلسة، كأن يوقع كأس الماء، أو يقرأ رسالة وصلته على هاتفه، وطبعا في كل مرة كانت تسأله إن كانت الرسالة من حبيبها أم لا!
هو.. الذي يستجمع أعصابه كلها ويخفيها في مشطي قدميه، ويفكر ماذا سيضيف هذه المرة، محاولا أن يستذكر أقوالا مأثورة لغادة السمان أو محمود درويش. يتمنى في قرارة نفسه أن يجلس مكانها، ويعيد القسم نفسه. يتمنى أن يطفئها بغمضة عين فتختفي من حياته، يحاول أن يكره حركاتها، ويشمئز من صوتها. يعاتب نفسه متعجبا: ماذا يحب فيها؟
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ