حالة من الصمت المطبق تطغى على كثير من العلاقات الزوجية حولنا، بدون أن ندري أنها مؤشر عن انفصال كيميائي وحسي وعاطفي، ربما يؤدي إلى افتراق فيزيائي فيما بعد، إذا تم اكتشاف الحالة، والتعامل معها ومن ثم الفشل.
وحتى لو أنكر أغلبيتنا وجود هذه الحالة، أو مرورها في حياته الزوجية، من باب الكبر والعناد. لكن ظروفا خاصة، وأحيانا قاهرة تظهر المشكلة على السطح، وتجبرنا على الاعتراف المؤلم بوجودها.
ظرف كالحالة الجوية التي مرت بها المنطقة، وأقعدت الأسر في بيوتها ليومين أو ثلاثة كاملة، رافقها انقطاع للتيار الكهربائي وتشويش للقنوات الفضائية، كشف للكثيرين والكثيرات تهلهلا في العلاقة الزوجية، وتصدعا لم يكن واضحا جدا للعيان، قبل أن ينزف خلافات ومناوشات و"الوقوف على الوحدة"، وكأن الطرفين عدوان يتربصان بعضهما بعضا لأي غلطة والسلام!
طبعا لا أتحدث بهذه الطريقة وأنا أرمي الصورة السابقة على البيوت كافة، وأعرف مسبقا أجوبة جاهزة تهب للدفاع عن وضعها العائلي المستقر، والحب الذي يرفرف على سطح المنزل. لكنني أركز على فكرة استوقفتني كثيرا في الأيام السابقة، ألا وهي الصمت الذي يبدو أنه يعم أروقة البيوت، ويخفض صوت الحديث إلى آخر حد، ويختصر الكلام المتبادل إلى عدة جمل، مكرورة ناشفة جوفاء، لو أنها غابت عن الجلسات، فلن يشكل ذلك فرقا.
آلاف الأزواج والزوجات هربوا إلى حديث مطبوع على شاشات الكمبيوترات، من خلال عوالم افتراضية، فتحت لهم المجال على اتساعه، للفضفضة والقراءة والمشاركة الإيجابية، والتعبير عن الذات بجمل وعبارات لم تكن لتخرج في العالم الحقيقي. وكأن المساحة اللامتناهية من الحرية للحديث في أي شأن كان، وبالطريقة التي يختارها الشخص، صنعت هوة في السقف، يتنفس منها المرء "زوجا أو زوجة"، ليتكلم بطريقته الخاصة، بدون أن يقاطعه الآخر، أو يقلل من قيمة حديثه، أو يستعرض معرفته الأوسع عليه، أو يقمعه بعبارات تسيء إلى ثقافته وخبرته في الحياة، كما يحدث كثيرا في الحياة الزوجية، حتى بين الأزواج المتعلمين ومدّعي الثقافة!
أما في حالات الأزواج والزوجات الآخرين، والذين لا يملكون ثمنا لجهاز الكمبيوتر، فإن وضع الصمت المطبق، يأخذ أشكالا مختلفة، ولو أنها أكثر وضوحا وأقوى في شكل المواجهة!
فالسؤال الذي يطرحه طرف ما "وغالبا يكون طرف الزوجة"، ليس بالضرورة أن يجاوب عنه. والحديث في الشؤون العامة، لا يتجاوز جملا متقاطعة حول فواتير الكهرباء، واختيار وجبة الغداء، والتندر القليل على الأخبار السياسية والاقتصادية، والشكوى من الجيران، وإلقاء التهم على الآخر بسبب فشل الأولاد!
هذه الصورة السوداوية نوعا ما، موجودة وتعيش حولنا، بل وتعشعش في جوارنا، حتى لو أننا لم نصب بالعدوى بعد. لكنها حقيقة علينا المثول أمامها مسلّمين بوجودها، كي نكون مستعدين لها، إن تسللت إلى حياتنا الزوجية ذات مساء.
الغريب، أن الأزواج و الزوجات في المثال الأول، نجدهم منفتحين على الرأي الآخر، وعلى استعداد لاستقبال الأفكار والتجارب والأحاديث، مهما اختلفت الآراء، ولو اختلفت، فإن شكل الخلاف يكون مؤدبا ومتزنا وحضاريا.
فيما المثال الثاني، يزخر بحالات فصامية عجيبة، وهنا أقصد الزوج خاصة، تكشفها علاقات خاصة في غاية الروعة، وطرق تعامل راقية، خارج أسوار البيت، وأحاديث لا تنقطع، مع أي امرأة مستعدة للاستماع، شريطة ألا تكون على ذمته!
المراجع
www.alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب