تعتقد صديقتي أمل أن مشروعا لإفطار عائلي كبير سيكون رائعا غدا، وخاصة لو أنها وضعت له موعدا متأخرا، يخدم كسل ساعات النوم الزائدة التي سيتذرع بها رجال وسيدات العائلة، كسبب للتأخير.
الشوارع بالتأكيد ستكون شبه فارغة حتى منتصف الظهيرة، حين يقرر الناس أن يتحركوا من بيوتهم لشراء حاجيات الغداء. وبالتالي فإن مشكلة الاصطفاف أمام عمارة أمل والواقعة في منطقة الصويفية، لن تشكل قلقا كما هي العادة.
تلفاز غرفة الجلوس سيكون مفتوحا على الشاشة الوطنية، التي ستنقل مجريات الحدث الكبير. حيث ستنتقل الكاميرا من وإلى الاستوديو، متجولة في الشوارع وأمام المدارس في المحافظات، وداخل مركز الصحفيين النشيطين، المداومين على حركاتهم نفسها في كل مناسبة مشابهة.
ورغم كل هذه الانتقالات الصورية، لا أحد سيلتفت للشاشة إلا لماما، حين يتعلق الأمر بفترات الصمت بين الأحاديث والحكايات وحركة أكواب الشاي وصحون الحلوى البيتية.
أحدهم سيعلق على أداء مذيع الفترة الذي يشد على وجهه ويديه، ويفرط في استخدام عبارات التشجيع ويكرر كثيرا هو وزملاؤه المراسلون كلمة العرس، في بدايات الجمل ونهاياتها.
وأخرى ستضع فنجان الشاي على الطاولة الصغيرة، قبل أن تبدأ برواية قصة المرشحة التي طلقها زوجها، لأنها لم تقبل أن تتنازل لأحد أقربائه عن حقها في الترشح. ولن يصدقها نصف الحضور، لكنها ستمهلهم قليلا ريثما تخرج لهم الخبر من هاتفها الخلوي.
وحين تفحمهم بصدقية أنبائها، وتفخر بسعة اطلاعها، وبخاصة أمام النساء الأخريات، تبدأ همهمات غير مفهومة، متعلقة وغير متعلقة بالموضوع، لينفرد آخر بحكمته وتوقعاته القانونية بشأن المرشحين الذين تم ايقافهم، بسبب المال الأسود. وهنا في هذه اللحظة بالذات، ينبري أحدهم ليشرح للجميع الفرق بين المال الأسود، والمال السياسي! ليتابع الأول سيناريوهاته المتوقعة إن نجح الموقوفون في الانتخابات، وما احتمالات أدائهم للقسم.
حينها، سيطل رأس ابن أمل الطالب في الصيدلة في إحدى الجامعات الخاصة، ويحدثهم عن مغامرات شبلي حداد في سباق الترشح، ويقرأ لهم بعض "البوستات" التي ينشرها الشباب عنه على صفحات التواصل الاجتماعي، ويضج المكان بالهرج والمرج، فكل واحد من المدعوين له حكاية خاصة متعلقة بشبلي حداد يريد أن يرويها للجميع.
وبعد انتصاف النهار، يطل زوج أمل من نافذة الغرفة إلى الشارع، وينصح الحضور بعدم مغادرة منزله هذه الفترة، لأنها عادة تشهد ازدحاما أمام فرن الخبز ومحمص القهوة الشهير. يتململ الضيوف قليلا، لكنهم يقبلون بالبقاء إلى وقت العصر.
تسود حالة من الصمت في الغرفة، فتضطر أمل إلى رفع صوت التلفاز قليلا، والبحث عن قناة الجزيرة، نزولا عند رغبة الأغلبية، التي تعتقد أن أخبارا مختلفة عن انتخابات الأردن، سيشاهدونها في النشرة المقبلة. أخبار سورية والقتلى ستأخذ حيزا كبيرا من الاستياء والحزن المبرمج، ريثما يطل مراسل الجزيرة من المركز الصحفي على الشاشة، ويتحدث عن بعض التجاوزات، والمناوشات هنا وهناك، وعن نسبة الاقتراع التي لم تقترب إلى نصف التوقعات. هذا التفصيل الأخير، سيثير تعجب الجالسين في غرفة جلوس بيت أمل. لماذا هذا الإحجام عن التصويت يا ترى؟
ينقضي النهار سريعا على العائلة السعيدة، وتسمع قرقعات آخر فناجين القهوة، وتحركات القيام الكسولة، والدعاء ببقاء صالون أمل عامرا، وقهقهات بيت الدرج غير المفهومة. فيما يتفق طرفان على إكمال النهار في أحد المقاهي القريبة، وتستعد زوجاتهما لرحلة تسوق في المول القريب، ويتثاءب آخر، وهو يتخيل سريره الدافئ، وتقرر زوجته أن تزور أهلها، بينما يعلن الأخير أنه سيمر بإحدى المدارس القريبة، ليدلي بصوته.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب