لغته تختلف كليا، وكأن الانقسام العمودي بين أن يكون مثقفا حرا أو مسؤولا حرا أو غير حر، يفصله خط المعارضة!، فالصورة المأخوذة عن المبدعين والمثقفين والكتاب المستقلين والفنانين المتحررين، أنهم أحرار، أحرار في كل شيء. وإنهم جاهزون لأن يكونوا في جبهة المعارضة المنحازة كليا للحقوق العامة والمسؤولية الاجتماعية نحو الفئات الأقل حظا. يكون المثقف، و"لنتفق على صيغة المثقف كتعبير عن المبدعين والكتاب والفنانين عموما"، حرا طليقا ثائرا صارخا حانقا، ومستعدا أن يحارب الدنيا من أجل حق أحدهم في التعبير عن رأيه، ولو كان خصمه! يكون المثقف سديد الرأي أو متطرفا أو مخطئا حتى، لكنه مجاهر بحقه في إبداء رأيه والدفاع عن أخطائه، أينما سنحت له الفرصة بفعل ذلك إلى أن تأتي اللحظة، ويجرب أن يجلس على الكرسي، أي كرسي، خلف مكتب في دائرة رسمية تعنى بالثقافة، أو على رأس طاولة تضم مثقفين قدماء ملتحفين بستر ثقيلة تقيهم برد أفكارهم العتيقة، أو على زاوية ميكرفون إذاعي يدعي أنه صوت المظلومين على الأرض، أو أمام كاميرا تصوره وهو يبتسم للجمهور الذي يشاهد طلته الجديدة لأول مرة، يرحب ويهلل بحزب القابعين على صدور الشعب، أو حتى حين يكون في غرفة "الكنترول" يعطي أوامره التي طالما عانى منها هو شخصيا، باقتطاع هذا الجزء، أو حذف ذلك المشهد، أو إلغاء الفكرة من أساسها، واستبدالها بفيلم وثائقي!
المصيبة، أن فاتحة الحديث مع أحدهم، وأقصد المثقفين الذين أصبحوا مسؤولين عن شيء ما، تكون دائما ذاتها؛ أنا مثلك! فنان وأفهمك! حساس وأقدرك! معارض، لكنني لا أشبهك! الكارثة أن الواحد فيهم يبقى يذكر زواره من زملائه القدامى ببطولاته في حقل الإبداع، وأنه لم يكن يوما يرتضي للفن أو للإعلام أن يكون مطية بيد السلطة. "لكن اللي ايده بالمي مش زي اللي ايده بالنار".. هو يقول هذا الهراء! وأن الحل الوحيد لإنقاذ الثقافة من براثن المتخلفين وأعداء الإبداع هو أن يكون هو وأمثاله في أماكنهم الجديدة، يسربون الأفكار التي كانت ممنوعة، بالقطارة التي منحهم إياها منصبهم المناسب.
والمحزن حقا، أننا نفقد أصحابنا ورفاق دربنا في حرب الحريات العامة وحقنا في التعبير، شيئا فشيئا، وكأنهم عقد لؤلؤ ثمين، يتساقط حبة حبة، على أرضية والله إنها ليست ثابتة!
قبل يومين شاهدت فيلما مصريا شبابيا غير مشهور اسمه "ميكروفون"، ولخص الموضوع بشكل جميل وذكي جدا. فالمثقف المعارض لسياسة الدولة في احتكار الآراء ومنع بثها، أصبح يدا طولى تضرب أصدقاء الفقر و"الشحططة" والغناء على الطرقات، فقط بمجرد جلوسه على كرسي في مكتب عادي جدا، لا يرقى حتى لطاولة مقهى حقير كان يحتضن أشعاره وشعاراته وشتائمه ودموعه.
القطارة إياها التي يعدنا بها المسؤول الجديد، لا تستحق جلوسنا وإياه في مكانه الذي يبدو أنه يليق به من زمان، بدون أن ننتبه لذلك. القطارة التي ستسرسب حقنا نقطة نقطة، في حرية كاملة وعدالة كاملة، أنت علمتنا إياها يوما ما، لا نريدها منك أنت تحديدا، لأنها تماما تشبه قطرة عين حارقة، نضعها ونحن مستلقون على ظهورنا، لا نعرف كيف تنزلق إلى مريئنا وتشعط حلوقنا، والباقي منها ينساب على حواف آذاننا، على هيئة دموع!
المراجع
www.alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب مقالات روايات