لم أكن أعرف هذا الوجه بريء الملامح، ذا الابتسامة الخجولة. واللحية الخجولة أيضا، قبل أن تعرفني عليه تقارير شقيقتي غادة الشيخ، في جريدة "الغد" التي يحسب لها، تبني قضيته العادلة منذ اليوم الأول، كقضية حقوق إنسان عامة، وحقوق أردنية على وجه الخصوص. 

خالد الناطور قضية انشغلت بها وشغلتنا معها، المواقع الالكترونية المحترمة، وصفحات لا معدودة في التواصل الاجتماعي، هذه الأخيرة، التي أبدعت حقيقة في طريقة الطرح، والشرح و"النقّ" على رؤوس المسؤولين، ونشر الصور تباعا، واستحداث عدادات زمنية مؤلمة أحيانا، وابتكار طرق ووسائل تضامنية غاية في الذكاء وخفة الظل، رغم غباء الموقف عموما من الناحية القانونية، وصعوبته من الناحية الإنسانية. لكنها لغة شبابية جديدة ومثيرة، يؤكد أصحابها من الصبايا والشباب في كل لحظة أنهم أصحاب "طريقة"، في كيفية التحاور مع حقوقهم سواء المدنية أو السياسية أو حتى الاجتماعية. وعلى الرغم من اقترابنا أو اختلافنا مع تلك الطريقة، لكننا لا نملك إلا أن ننحني احتراما لها، حين تحقق ما عجزت عنه طرائقنا التاريخية والمكررة، عديمة الفائدة للأسف في قرن، يبدو والله أعلم أن مكوناته العقلية والانفعالية والنافذة، لا تحترم إلا تلك المفردات الجديدة كليا، على لغة الإرادة والمقاومة والبطولة. وإلا فماذا يمكن أن نسمي ما فعله "هاكرز" عربي وإسلامي بين ليلة وضحاها، في عقر دار من حرنا في مواجهتهم، ومحاورتهم والانتصار عليهم ولو مرة "جد"، خلال عقود مضت.

وعودة لخالد، الشاب المتحمس والعائد إلى بلده، محمولا على أكتاف أصحابه، الذين كانوا يحتفلون بانتصار إلحاحهم وراء حق الشاب، أكثر من احتفائهم بالشاب نفسه ربما، فإن مشهدا بسيطا في الفيديو الذي تابعته على موقع "الغد" الإلكتروني، يلخص درسا عميقا ولكن بأدوات بسيطة، عنوانه "الفرق بين الدولة والوطن"! ففي أول تصريح له بعد نزوله من الطائرة، قال خالد لميكروفون "الغد"، بما معناه، إن سفارة بلاده لم تكترث لوجوده لأكثر من ثلاثة أشهر في السجون السعودية، وأنه تحرر بهمة الضغط الشعبي، وليس الرسمي لقضيته. لكنه وبحركة لا شعورية منه، هبط إلى الأرض وقبّلها. وباعتقادي أن هذا المشهد لا يحتاج لتفسير أو شرح، لأنه يشبهنا في كثير من الأحيان والمواقف، التي تخذلنا فيها الدولة في حقوقنا ومقدراتنا وأحلامنا، ولكننا لا نملك إلا أن نضعف ونتكوم كما الأجنة في أرحام أمهاتنا، أمام كلمة وطن!

المهم يا خالد، وربما تعبس من كلامي قليلا، أنه وبعودتك الميمونة لحضن أمك وأمهات كثيرات التففن حولها بدون سابق معرفة. وإلى حضن أصحابك الذين تجاوز عددهم الآلاف من المحبين والمتضامنين الأردنيين والعرب، مع قضية الحرية، قبل قضيتك. هذه العودة ستخلق فراغا كبيرا في النشاط "الفيسبوكي" المحموم لاسترجاعك. فأنت لا تعرف كم شغلتهم، وشغلتهم ولممتهم حول صورك، ومقاطع مقتضبة من كلماتك، وعبارات موجعة أدلى بها أهلك وأحباؤك في وقفاتهم التضامنية الحثيثة. فماذا هم فاعلون من بعد نيلك حريتك يا "شاطر"؟ هل عبست فعلا؟ لا تفعل أرجوك، فمن قلبي كما قلوب كثير من الأمهات والآباء والإخوة والأصدقاء، أقول لك ألف الحمدلله على سلامتك.


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب