ا تزال صورة الخيول البرية وهي تحوم حول الواحة في تلك القرية الوادعة التي بناها أهلها الثوار المتفيئون ظلال وعد الثورة العربية قوية في الذاكرة رغم تقادم السنين.
كانت واحة الأزرق حية. مياهها العذبة تجذب الهاربين من حر الصيف الصحراوي في الزرقاء وفي مدن أخرى في المملكة، وينابيعها تشد الطيور المهاجرة التي اعتادت استيطانها في ترحالها الموسمي.
ماتت الواحة الآن. لا أثر لخيول ولا وجود لسياح. وحتى أشجار النخيل التي كانت هوية القرية تحوّلت خشبا لا حياة فيه ولا رطبا.
فقدت القرية ماءها والصحراء الشرقية واحتها الأكبر بعد سنواتٍ من ضخ المياه الجائر الذي لم يستفد من علم ولم يدرس عواقب.
وزارة المياه قتلت الواحة لا لسبب إلا لأنها لم تعرف كيف تخطط لاستغلال مورد طبيعي بمسؤولية.
ولم تمض سنون طويلة حتى فقدت القرية خير ملحها. فسبخات الأزرق التي كانت مصنعا لملح الأردن ومصدر رزق لآلاف العائلات خلت من حراثيها لأن المصنع فشل وفقد سوقه.
وتماما كما كان جفاف الواحة نتيجة لسوء التخطيط الحكومي، كان توقف مصنع الملح نتيجة لضحالة القرار الاقتصادي. فبدلا من الاستثمار في مصنع ناجح يكبح فقر قرية ويساعد أهلها على ضنك العيش، فتحت الحكومة مصنع ملح البوتاس الذي ما لبث أن أغلق بعد أن كلف البلد عشرات الملايين وأدى إلى إفلاس مصنع الأزرق وقطع رزق أهل القرية.
وها هي القرية، التي كانت وادعة، تشرب من واحة صحرائها وتعتاش من حصاد ملح أرضها، تعيش اليوم، مثلها كمثل عشرات القرى في الشمال والجنوب، حالا من الفقر والعوز وغياب الفرص.
وتدفع الأزرق، كما فقّوع وكما دلاغة، ثمنا قاسيا لقصر الرؤى وغياب التخطيط السليم وانعدام المساءلة لمن يتبوأون الموقع العام فيظلمون ويخطئون ويزيدون من معاناة الناس من دون أن يكون هناك من يسائلهم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد