من أصعب التجارب التي تمر على المرأة، هي أن تكون بدينة! وعلى الرغم من فداحة الوصف المباشر، وحساسية التحدث في الموضوع، لكنني أحببت أن أتشارك واياكم الحديث "غير الممتع"، علّنا نسلّط الضوء على منطقة مهمة من حياة المرأة العربية، والأردنية على وجه الخصوص، مع أنني أدرك مسبقا بأن الأرقام المخيفة الصادرة عن المنظمات الصحية، بخصوص ظاهرة البدانة في الأردن، تتحدث عن المشكلة للطرفين, الرجل والمرأة، إنّما اسمحوا لي هذه المرة أن أخص بنات جنسي بالاهتمام، رغم أنكم معنيون جدا في المشكلة، من حيث لا تدرون!
شخصيا عانيت فترة لا بأس بها من هذه المشكلة، وأعرف تماما كيف يكون الشعور صعبا ومخجلا، وأحيانا مذلا للكثيرات من الآنسات والسيدات, بسبب نظرة المجتمع "الشريرة" للمرأة البدينة. المجتمع الذي أحمّله المسؤولية كاملة, في هذه الورطة التي تقع فيها المرأة مبكرا, بسبب إهمال الأهل وتكاسلهم في مسألة الصحة البدنية للصغار.
بل وأحيانا تشجيعهم للأطفال البدناء، وتكريس صورة نمطية، تصور الطفل البدين, بخديه المنتفخين على أنه أيقونة الجمال والبراءة والشقاوة، وهذا الأمر يتفق عليه الجميع على ما أعتقد، بدليل كمية الإعجاب والإطراء التي يحصدها الأطفال البدناء, بالقبلات ونظرات الحب و"اللايكات" على مواقع التواصل الاجتماعي.
ثم تأتي الأسرة وتتآمر على بضعة الكيلو غرامات، التي تبدأ بالزحف على أجساد بناتها خصوصا, بسبب قلة الحركة وإهمال الرياضة مقارنة بالأولاد. فنسمع أهالي يطبطون على أشكال بناتهم، بالتعليقات الحنونة والتطمينات غير العلمية, بأنه بعد مرور فترة المراهقة, ستتلاشى تلك التكتلات فورا، طبعا بمرافقة عرض مجاني لحالات كثيرة يعرفونها, تجاوزت الأزمة بمجرد دخول مرحلة الجامعة مثلا, وهذا ان صحت تسميته، فهو أعتى صنوف التضليل والخداع!
وفي مكان آخر، حيث النساء اللواتي يصبن بهذه الغمة, بعد الزواج والولادة، يكون الظرف النفسي والضغط العصبي على المرأة البدينة، سببا في وصولها إلى حالات ضعف الثقة والتوتر وحتى الاكتئاب، الذي يترجم نفسه على جسد المرأة "المريضة"، قرارا باطنيا بالاستسلام، وزيادة متوالية في الوزن, ووصول السمنة إلى مراحل لا يمكن معالجتها إلا بتدخل جراحي, لا تحظى غالبية نساء الأردن برفاهية اتخاذ القرار فيه، والظرف النفسي الذي أتحدث عنه معروف, وهو نظرة الزوج الساخرة ومضايقاته وتعليقاته المهينة, وفوقها معاملته المسيئة، التي تصل إلى حد النبذ والاحتقار للأسف!
كم من سيدة حولنا تتعرض للعنف اللفظي والسخرية, من قبل زوجها علنا وبشكل متقصد أمام أبنائها وأهل زوجها, ما يفرد أمام ضعاف النفوس منهم, بساط الاستهتار بمشاعرها, واستسهال التنكيت على مظهرها؟
وبدون الولوج في حوارية كروش الرجال، وبدانتهم هم أيضا. فإن مقابلة تلك الإهانة لا تكون بإهانة أخرى، وإلا فإننا سنصبح أمام بنية اجتماعية مدمرة نفسيا وأخلاقيا. ولهذا أعتقد أنه من الأجدر معالجة الموضوع بتقنية موضوعية ومحترمة, تضمن كرامة المرأة وتضع حلا للمشكلة، يعيد إليها ثقتها بنفسها وإحساسها بجمالها وتأثيرها. ويزيح عن كاهلها ضغطا عصبيا مرده الإحساس بالغيرة، من قريناتها الرشيقات, خاصة ممن "تطلع عين" زوجها وهو يراقبها على الشاشة، أو شاطئ البحر على سبيل المثال!
وفي النهاية، دعوني أذكر بأن المشكلة قابلة للتجدد والتمدد، إن أهملنا في صحة أطفالنا ومظهرهم، وبالتالي إعادة انتاج مجتمع مترهل جسميا ونفسيا. هذا ونحن لم نتكلم بعد عن ملف السكر والكولسترول وضعف الخصوبة!
المراجع
www.alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب