المطالبة بالإصلاح حق مشروع ، ولكن في ظل هيبة الدولة، هكذا تحدث طاهر المصري، وتحدث غيره كثيرون عن هذه الهيبة، وضرورة بقائها في مكانة رفيعة، في منأى عن أي مس، أو هدر أو تآكل، لأن ضياع هذه الهيبة يعني الفوضى والدمار، ولأن الطبيعة لا تقبل الفراغ، فضياع هذه الهيبة سيرتب نشوء هيبات بديلة، ورِدّة إلى عصر العصبيات وانسحابا إلى مرجعيات تفتيتية، وغيابا تاما للقانون وهذا ما لا يريده أحد، وليس من مصلحة أحد

نستدعي موقفا للخليفة العادل، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يشكو إليه عقوق ابنه. فأحضر عمر الولد وأنّبه على عقوقه لأبيه ونسيانه حقوقه عليه. فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه ويحسن اسمه ويعلّمه الكتاب أي «القرآن». قال الولد: يا أمير المؤمنين إنّ أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجيّة كانت لمجوس.. وقد سمّاني جعلا أي «خنفسا» ولم يعلّمني من الكتاب حرفاً واحداً. فالتفت عمر رضي الله عنه إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك

المقاربة هنا موحية كثيرا، ولكنها عرجاء ككل مقارنة، كما يقول المثل الألماني، فقد انتهى عهد الدولة الأبوية، ولم نقصد أي إحياء لهذا المفهوم، ولكن الهيبة تُفرض بالاحترام المتبادل، وحفظ الحقوق باتجاهين، وباب خذلان الدولة لأبنائها هنا باب متسع وفيه كلام كثير، ولعل هذا الخذلان هو الذي يفتح شهية الحراكات الشبابية كي تواظب على خروجها للشارع، مطالبة بحقوقها الكثيرة التي جرى التهاون فيها على مدار عقود، وقد حلت ساعة المراجعة، ولا نقول المحاسبة، ومن حسن حظ هذا البلد أن فيها من يسمع نبض الناس ويستمع إلى شكواهم، وإن كانت الاستجابات حتى الآن غير كافية، ولا ترقى إلى حد الإقناع المطلوب، وإن بدا أن الباب لم يزل مفتوحا للمزيد من الاستجابات لمطالب الشارع وبِرّه

سمعت من أكثر من مسؤول تحسره على غياب «هيبة الدولة» وتآكلها، وسمعت آراء عن كيفية إعادتها في نفوس الناس كي لا يعودوا إلى قطع الشوارع، فقال لي مسؤول كبير، أن أحدهم كان يتباهى بقدرة أبيه على تجبير الساق بعد أن تنكسر، فقال له أن أباه أكثر ذكاء ونباهة، إذ كان يجبر الساق قبل أن تنكسر.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية