ما تزال اسرائيل متمسكة بمطالبها نزع سلاح حزب الله وإعادة تموضعه خارج المنطقة الحدودية وإعادة الجنديين الأسيرين شرطاً لوقف عدوانها على لبنان. وهذه شروط سيكون من المستحيل تنفيذها مجتمعة. ولعل الأسهل بينها هو إعادة الجنديين.
فنزع سلاح حزب الله غاية لن تحققها الحرب حتى وإن طالت وأدت إلى إضعاف الحزب، الذي يشكل بالنسبة للجنوب اللبناني الحكومة الفاعلة الوحيدة التي عرفها منذ إقامة الدولة اللبنانية الحديثة.
أما إعادة تموضع حزب الله فقد يكون نتيجة لاحتلال اسرائيلي جديد للجنوب أو صيغة آنية تفرضها حلول مرحلية. لكنه لن يكون واقعاً يقبله حزب الله إلا إذا جاء في إطار تسوية شاملة. وهذه معادلة لا تبدو أنها تلوح في الأفق. ومعنى ذلك أزمة سيعيشها لبنان حتى بعد أن تصمت المدافع.
فقضية سلاح حزب الله ودوره الداخلي أزمت الراهن اللبناني منذ انتفاضة الاستقلال الثانية التي أدت إلى إنهاء الوجود السوري في لبنان.
وحاول اللبنانيون جاهدين التوصل إلى صيغة تلزم حزب الله نزع سلاحه وإنهاء تفرده بقرار الحرب والسلم, لكنهم فشلوا. وبقي حزب الله المدعوم إيرانياً وسورياً يستحضر دوره المقاوم سبباً يحول دون نزع سلاحه ودخوله اللعبة السياسية ضمن الشروط التي التزمتها جميع القوى السياسية الأخرى.
ولأسباب تراوحت بين الخوف من مواجهات عسكرية وبين ضرورات تفاعلات دولية وإقليمية، لم يحسم اللبنانيون العلاقة مع حزب الله. وأطلقوا حواراً متعثراً اتسم بالتوتر والعجز عن الوصول الى قرار.
لكن الوضع تغير الآن. وسيفرض موضوع دور حزب الله في الساحة الداخلية اللبنانية نفسه أولوية عند الحكومة التي ستخضع لضغوط كبيرة، شعبية ودولية, لبسط سيادتها على كامل التراب اللبناني.
ولأن صورة المخرج من الأزمة الحالية ما تزال غامضة، ولأن ملامح الحل الديبلوماسي لم تتبلور بعد، يصعب قراءة المؤثرات التي ستتحكم في أوضاع ما بعد الحرب، وبالتالي مآلات الخلاف حول دور حزب الله.
لكن الثابت أن إعادة لملمة لبنان أشلاءه بعد توقف العدوان الاسرائيلي ستشمل إعادة تعريف العلاقة مع حزب الله. وستتفاقم حال الانقسام في المجتمع اللبناني بين من سيرفضون أن يظل بلدهم ساحة للنفوذ الإيراني والسوري وأن يبقى حزب الله خارج سيادة الحكومة، وبين مؤيدي حزب الله الذين سيجدون الدعم من طهران ودمشق.
والتحدي الذي سيواجه اللبنانيين هو إعادة ترتيب علاقات حزب الله بالدولة من خلال توافق يحول دون تفجر الأوضاع مستقبلاً. ولن يكون هذا سهلاً ما دامت إيران قادرة على خوض معاركها في لبنان، وما دامت سورية ترفض الاعتراف بأن أيام سيطرتها على لبنان ولّت، ويجب أن لا ترجع.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد