مريم
{39} وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنْذِرْ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ يَوْم حَسْرَتهمْ وَنَدَمهمْ , عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْب اللَّه , وَأَوْرَثْت مَسَاكِنهمْ مِنْ الْجَنَّة أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالطَّاعَة لَهُ , وَأَدْخَلُوهُمْ مَسَاكِن أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ مِنْ النَّار , وَأَيْقَنَ الْفَرِيقَانِ بِالْخُلُودِ الدَّائِم , وَالْحَيَاة الَّتِي لَا مَوْت بَعْدهَا , فَيَا لَهَا حَسْرَة وَنَدَامَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17886 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , قَالَ : ثنا أَبُو الزَّعْرَاء , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قِصَّة ذَكَرَهَا , قَالَ : مَا مِنْ نَفْس إِلَّا وَهِيَ تَنْظُر إِلَى بَيْت فِي الْجَنَّة , وَبَيْت فِي النَّار , وَهُوَ يَوْم الْحَسْرَة , فَيَرَى أَهْل النَّار الْبَيْت الَّذِي كَانَ قَدْ أَعَدَّهُ اللَّه لَهُمْ لَوْ آمَنُوا , فَيُقَال لَهُمْ : لَوْ آمَنْتُمْ وَعَمِلْتُمْ صَالِحًا كَانَ لَكُمْ هَذَا الَّذِي تَرَوْنَهُ فِي الْجَنَّة , فَتَأْخُذهُمْ الْحَسْرَة , وَيَرَى أَهْل الْجَنَّة الْبَيْت الَّذِي فِي النَّار , فَيُقَال : لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ . 17887 - حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي سَعِيد , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُجَاء بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقَف بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح " قَالَ : " فَيُقَال : يَا أَهْل الْجَنَّة هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ , فَيَقُولُونَ : نَعَمْ , هَذَا الْمَوْت , فَيُقَال : يَا أَهْل النَّار هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ , فَيَقُولُونَ . نَعَمْ هَذَا الْمَوْت , ثُمَّ يُؤْمَر بِهِ فَيُذْبَح " قَالَ : " فَيَقُول : يَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود فَلَا مَوْت , وَيَا أَهْل النَّار خُلُود فَلَا مَوْت " قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قُضِيَ الْأَمْر وَهُمْ فِي غَفْلَة وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } وَأَشَارَ بِيَدِهِ فِي الدُّنْيَا . 17888 - حَدَّثَنِي عُبَيْد بْن أَسْبَاط بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَة { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } قَالَ : " يُنَادَى : يَا أَهْل الْجَنَّة , فَيَشْرَئِبُّونَ , فَيَنْظُرُونَ , ثُمَّ يُنَادَى : يَا أَهْل النَّار فَيَشْرَئِبُّونَ فَيَنْظُرُونَ , فَيُقَال : هَلْ تَعْرِفُونَ الْمَوْت ؟ قَالَ : فَيَقُولُونَ : لَا , قَالَ : فَيُجَاء بِالْمَوْتِ فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح , فَيُقَال : هَذَا الْمَوْت , ثُمَّ يُؤْخَذ فَيُذْبَح , قَالَ : ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْل النَّار خُلُود فَلَا مَوْت , وَيَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود فَلَا مَوْت " , قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قُضِيَ الْأَمْر } 17889 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } قَالَ : يُصَوِّر اللَّه الْمَوْت فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح , فَيُذْبَح , قَالَ : فَيَيْأَس أَهْل النَّار مِنْ الْمَوْت , فَلَا يَرْجُونَهُ , فَتَأْخُذهُمْ الْحَسْرَة مِنْ أَجْل الْخُلُود فِي النَّار , وَفِيهَا أَيْضًا الْفَزَع الْأَكْبَر , وَيَأْمَن أَهْل الْجَنَّة الْمَوْت , فَلَا يَخْشَوْنَهُ , وَأَمِنُوا الْمَوْت , وَهُوَ الْفَزَع الْأَكْبَر , لِأَنَّهُمْ يَخْلُدُونَ فِي الْجَنَّة , قَالَ اِبْن جُرَيْج : يُحْشَر أَهْل النَّار حِين يُذْبَح الْمَوْت وَالْفَرِيقَانِ يَنْظُرُونَ , فَذَلِكَ قَوْله : { إِذْ قُضِيَ الْأَمْر } قَالَ : ذُبِحَ الْمَوْت { وَهُمْ فِي غَفْلَة } 17890 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر فِي قَصَصه يَقُول : يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ دَابَّة , فَيُذْبَح وَالنَّاس يَنْظُرُونَ . 17891 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } قَالَ : يَوْم الْقِيَامَة , وَقَرَأَ { أَنْ تَقُول نَفْس يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْت فِي جَنْب اللَّه } 39 56 17892 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } مِنْ أَسْمَاء يَوْم الْقِيَامَة , عَظَّمَهُ اللَّه , وَحَذَّرَهُ عِبَاده .
{39} وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَقَوْله : { إِذْ قُضِيَ الْأَمْر } يَقُول : إِذْ فُرِغَ مِنْ الْحُكْم لِأَهْلِ النَّار بِالْخُلُودِ فِيهَا , وَلِأَهْلِ الْجَنَّة بِمَقَامِ الْأَبَد فِيهَا , بِذَبْحِ الْمَوْت . وَقَوْله : { وَهُمْ فِي غَفْلَة } يَقُول : وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي غَفْلَة عَمَّا اللَّه فَاعِل بِهِمْ يَوْم يَأْتُونَهُ خَارِجِينَ إِلَيْهِ مِنْ قُبُورهمْ , مِنْ تَخْلِيده إِيَّاهُمْ فِي جَهَنَّم , وَتَوْرِيثه مَسَاكِنهمْ مِنْ الْجَنَّة غَيْرهمْ { وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْقِيَامَةِ وَالْبَعْث , وَمُجَازَاة اللَّه إِيَّاهُمْ عَلَى سَيِّئ أَعْمَالهمْ , بِمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ مُجَازِيهمْ بِهِ .

{40} إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّا نَحْنُ نَرِث الْأَرْض وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحْزُنك تَكْذِيب هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَك يَا مُحَمَّد فِيمَا أَتَيْتهمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ , فَإِنَّ إِلَيْنَا مَرْجِعهمْ وَمَصِيرهمْ وَمَصِير جَمِيع الْخَلْق غَيْرهمْ , وَنَحْنُ وَارِثُو الْأَرْض وَمَنْ عَلَيْهَا مِنْ النَّاس , بِفَنَائِهِمْ مِنْهَا , وَبَقَائِهَا لَا مَالِك لَهَا غَيْرنَا , ثُمَّ عَلَيْنَا جَزَاء كُلّ عَامِل مِنْهُمْ بِعَمَلِهِ , عِنْد مَرْجِعه إِلَيْنَا , الْمُحْسِن مِنْهُمْ بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ .
{41} وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَاب إِبْرَاهِيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : { وَاذْكُرْ } يَا مُحَمَّد فِي كِتَاب اللَّه { إِبْرَاهِيم } خَلِيل الرَّحْمَن , فَاقْصُصْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَصَصه وَقَصَص أَبِيهِ , { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا } يَقُول : 3 كَانَ مِنْ أَهْل الصِّدْق فِي حَدِيثه وَأَخْبَاره وَمَوَاعِيده لَا يَكْذِب , وَالصِّدِّيق هُوَ الْفِعِّيل مِنْ الصِّدْق . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . { نَبِيًّا } يَقُول : كَانَ اللَّه قَدْ نَبَأَهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ .
{42} إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا وَقَوْله : { إِذْ قَالَ أَبِيهِ } يَقُول : اُذْكُرْهُ حِين قَالَ لِأَبِيهِ { يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُد مَا لَا يَسْمَع } يَقُول : مَا تَصْنَع بِعِبَادَةِ الْوَثَن الَّذِي لَا يَسْمَع { وَلَا يُبْصِر } شَيْئًا { وَلَا يُغْنِي عَنْك شَيْئًا } يَقُول : وَلَا يَدْفَع عَنْك ضُرّ شَيْء , إِنَّمَا هُوَ صُورَة مُصَوَّرَة لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع . يَقُول مَا تَصْنَع بِعِبَادَةِ مَا هَذِهِ صِفَته ؟ اُعْبُدْ الَّذِي إِذَا دَعَوْته سَمِعَ دُعَاءَك , وَإِذَا أُحِيطَ بِك أَبْصَرَك فَنَصَرَك , وَإِذَا نَزَلَ بِك ضُرّ دَفَعَ عَنْك . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه دُخُول الْهَاء فِي قَوْله { يَا أَبَتِ } فَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : إِذَا وَقَفْت عَلَيْهَا قُلْت : يَا أَبَهْ , وَهِيَ هَاء زِيدَتْ نَحْو قَوْلك : يَا أُمَّهْ , ثُمَّ يُقَال : يَا أُمّ إِذَا وَصَلَ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَب عَلَى حَرْفَيْنِ , كَانَ كَأَنَّهُ قَدْ أَخَلَّ بِهِ , فَصَارَتْ الْهَاء لَازِمَة , وَصَارَتْ الْيَاء كَأَنَّهَا بَعْدهَا , فَلِذَلِكَ قَالُوا : يَا أَبَةِ أَقْبِلْ , وَجَعَلَ التَّاء لِلتَّأْنِيثِ , وَيَجُوز التَّرْخِيم مِنْ يَا أَبَ أَقْبِلْ , لِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ تَدْعُو مَا تُضِيفهُ إِلَى نَفْسك فِي الْمَعْنَى مَضْمُومًا , نَحْو قَوْل الْعَرَب : يَا رَبّ اِغْفِرْ لِي , وَتَقِف فِي الْقُرْآن : يَا أَبَهْ فِي الْكِتَاب . وَقَدْ يَقِف بَعْض الْعَرَب عَلَى الْهَاء بِالتَّاءِ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : الْهَاء مَعَ أَبَةِ وَأُمَّة هَاء وَقْف , كَثُرَتْ فِي كَلَامهمْ حَتَّى صَارَتْ كَهَاءِ التَّأْنِيث , وَأَدْخَلُوا عَلَيْهَا الْإِضَافَة , فَمَنْ طَلَبَ الْإِضَافَة , فَهِيَ بِالتَّاءِ لَا غَيْر , لِأَنَّك تَطْلُب بَعْدهَا الْيَاء , وَلَا تَكُون الْهَاء حِينَئِذٍ إِلَّا تَاء , كَقَوْلِك : يَا أَبَتِ لَا غَيْر , وَمَنْ قَالَ : يَا أَبَهْ , فَهُوَ الَّذِي يَقِف بِالْهَاءِ , لِأَنَّهُ لَا يَطْلُب بَعْدهَا يَاء ; وَمَنْ قَالَ : يَا أَبَتَا , فَإِنَّهُ يَقِف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ , وَيَجُوز بِالْهَاءِ ; فَأَمَّا بِالتَّاءِ , فَلِطَلَبِ أَلِف النُّدْبَة , فَصَارَتْ الْهَاء تَاء لِذَلِكَ , وَالْوَقْف بِالْهَاءِ بَعِيد , إِلَّا فِيمَنْ قَالَ : " يَا أُمَيْمَة نَاصِب " فَجَعَلَ هَذِهِ الْفَتْحَة مِنْ فَتْحَة التَّرْخِيم , وَكَأَنَّ هَذَا طَرَف الِاسْم , قَالَ : وَهَذَا بَعِيد .
{43} يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْم مَا لَمْ يَأْتِك فَاتَّبِعْنِي أَهْدِك صِرَاطًا سَوِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ : يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ آتَانِي اللَّه مِنْ الْعِلْم مَا لَمْ يُؤْتِك فَاتَّبِعْنِي : يَقُول : فَاقْبَلْ مِنِّي نَصِيحَتِي { أَهْدِك صِرَاطًا سَوِيًّا } يَقُول : أُبَصِّرك هُدَى الطَّرِيق الْمُسْتَوِي الَّذِي لَا تَضِلّ فِيهِ إِنْ لَزِمْته , وَهُوَ دِين اللَّه الَّذِي لَا اِعْوِجَاج فِيهِ .
{44} يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَبَتِ لَا تَعْبُد الشَّيْطَان إِنَّ الشَّيْطَان كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَا أَبَتِ لَا تَعْبُد الشَّيْطَان إِنَّ الشَّيْطَان كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا . وَالْعَصِيّ هُوَ ذُو الْعِصْيَان , كَمَا الْعَلِيم ذُو الْعِلْم . وَقَدْ قَالَ قَوْم مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة : الْعَصِيّ : هُوَ الْعَاصِي , وَالْعَلِيم هُوَ الْعَالِم , وَالْعَرِيف هُوَ الْعَارِف , وَاسْتَشْهَدُوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ , بِقَوْلِ طَرِيف بْن تَمِيم الْعَنْبَرِيّ . أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظ قَبِيلَة بَعَثُوا إِلَيَّ عَرِيفهمْ يَتَوَسَّم وَقَالُوا : قَالَ عَرِيفهمْ وَهُوَ يُرِيد : عَارِفهمْ , وَاَللَّه أَعْلَم .
{45} يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَاف أَنْ يَمَسّك عَذَاب مِنْ الرَّحْمَن فَتَكُون لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا } يَقُول : يَا أَبَتِ إِنِّي أَعْلَم أَنَّك إِنْ مُتّ عَلَى عِبَادَة الشَّيْطَان أَنَّهُ يَمَسّك عَذَاب مِنْ عَذَاب اللَّه { فَتَكُون لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا } يَقُول : تَكُون لَهُ وَلِيًّا دُون اللَّه وَيَتَبَرَّأ اللَّه مِنْك , فَتَهْلَك , وَالْخَوْف فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى الْعِلْم , كَمَا الْخَشْيَة بِمَعْنَى الْعِلْم , فِي قَوْله : { فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا } 18 80
{46} قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَرَاغِب أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ أَبُو إِبْرَاهِيم لِإِبْرَاهِيم , حِين دَعَاهُ إِبْرَاهِيم إِلَى عِبَادَة اللَّه وَتَرْك عِبَادَة الشَّيْطَان , وَالْبَرَاءَة مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام : { أَرَاغِب أَنْتَ } يَا إِبْرَاهِيم عَنْ عِبَادَة آلِهَتِي ؟ { لَئِنْ } أَنْتَ { لَمْ تَنْتَهِ } عَنْ ذِكْرهَا بِسُوءٍ { لَأَرْجُمَنك } يَقُول : لَأَرْجُمَنك بِالْكَلَامِ , وَذَلِكَ السَّبّ , وَالْقَوْل الْقَبِيح . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17893 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { قَالَ أَرَاغِب أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنك } بِالشَّتِيمَةِ وَالْقَوْل . 17894 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنك } قَالَ : بِالْقَوْلِ ; لَأَشْتُمَنك . 17895 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَأَرْجُمَنك } يَعْنِي : رَجْم الْقَوْل .
{46} قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا وَأَمَّا قَوْله : { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاهْجُرْنِي حِينًا طَوِيلًا وَدَهْرًا . وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْمَلِيّ إِلَى الْمَلَاوَة مِنْ الزَّمَان , وَهُوَ الطَّوِيل مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17896 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ عَبْد الْكَرِيم , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } قَالَ : دَهْرًا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { مَلِيًّا } قَالَ حِينًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17897 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } قَالَ : طَوِيلًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } قَالَ : زَمَانًا طَوِيلًا . 17898 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } يَقُول : دَهْرًا , وَالدَّهْر : الْمَلِيّ . 17899 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } قَالَ دَهْرًا . 17900 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } قَالَ : أَبَدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَاهْجُرْنِي سَوِيًّا سَالِمًا مِنْ عُقُوبَتِي إِيَّاكَ , وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْمَلِيّ إِلَى قَوْل النَّاس : فُلَان مَلِيّ بِهَذَا الْأَمْر : إِذَا كَانَ مُضْطَلِعًا بِهِ غَنِيًّا فِيهِ . وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام كَانَ عِنْدهمْ : وَاهْجُرْنِي وَعِرْضك وَافِر مِنْ عُقُوبَتِي , وَجِسْمك مُعَافًى مِنْ أَذَايَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17901 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } يَقُول : اِجْتَنِبْنِي سَوِيًّا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } قَالَ : اِجْتَنِبْنِي سَالِمًا قَبْل أَنْ يُصِيبك مِنِّي عُقُوبَة . 17902 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } قَالَ : سَالِمًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 17903 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن كَثِير بْن دِرْهَم أَبُو غَسَّان , قَالَ : ثنا قُرَّة بْن خَالِد , عَنْ عَطِيَّة الْجَدَلِيّ { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } قَالَ : سَالِمًا . 17904 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } : اِجْتَنِبْنِي سَالِمًا لَا يُصِيبك مِنِّي مَعَرَّة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاهْجُرْنِي سَوِيًّا , سَلْمًا مِنْ عُقُوبَتِي , لِأَنَّهُ عَقِيب قَوْله : { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنك } وَذَلِكَ وَعِيد مِنْهُ لَهُ إِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذِكْر آلِهَته بِالسُّوءِ أَنْ يَرْجُمهُ بِالْقَوْلِ السَّيِّئ , وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُتَّبَع ذَلِكَ التَّقَدُّم إِلَيْهِ بِالِانْتِهَاءِ عَنْهُ قَبْل أَنْ تَنَالهُ الْعُقُوبَة , فَأَمَّا الْأَمْر بِطُولِ هَجْره فَلَا وَجْه لَهُ .

{47} قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ سَلَام عَلَيْك سَأَسْتَغْفِرُ لَك رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ حِين تَوَعَّدَهُ عَلَى نَصِيحَته إِيَّاهُ وَدُعَائِهِ إِلَى اللَّه بِالْقَوْلِ السَّيِّئ وَالْعُقُوبَة : سَلَام عَلَيْك يَا أَبَتِ , يَقُول : أَمَنَة مِنِّي لَك أَنْ أُعَاوِدك فِيمَا كَرِهْت , وَلِدُعَائِك إِلَيَّ مَا تَوَعَّدْتنِي عَلَيْهِ بِالْعُقُوبَةِ , وَلَكِنِّي { سَأَسْتَغْفِرُ لَك رَبِّي } يَقُول : وَلَكِنِّي سَأَسْأَلُ رَبِّي أَنْ يَسْتُر عَلَيْك ذُنُوبك بِعَفْوِهِ إِيَّاكَ عَنْ عُقُوبَتك عَلَيْهَا { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } يَقُول : إِنَّ رَبِّي عَهِدْته بِي لَطِيفًا يُجِيب دُعَائِي إِذَا دَعَوْته يُقَال مِنْهُ : تَحْفَى بِي فُلَان . وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هَاهُنَا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17905 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } يَقُول : لَطِيفًا . 17906 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } قَالَ : إِنَّهُ كَانَ بِي لَطِيفًا , فَإِنَّ الْحَفِيّ : اللَّطِيف .
{48} وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا وَقَوْله : { وَأَعْتَزِلكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه } يَقُول : وَأَجْتَنِبكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام { وَأَدْعُو رَبِّي } يَقُول : وَأَدْعُو رَبِّي , بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَة لَهُ , وَإِفْرَاده بِالرُّبُوبِيَّةِ { عَسَى أَنْ لَا أَكُون بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا } يَقُول : عَسَى أَنْ لَا أَشْقَى بِدُعَاءِ رَبِّي , وَلَكِنْ يُجِيب دُعَائِي , وَيُعْطِينِي مَا أَسْأَلهُ .
{49} فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا اِعْتَزَلَ إِبْرَاهِيم قَوْمه وَعِبَادَة مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه مِنْ الْأَوْثَان آنَسْنَا وَحْشَته مِنْ فِرَاقهمْ , وَأَبْدَلْنَاهُ مِنْهُمْ بِمَنْ هُوَ خَيْر مِنْهُمْ وَأَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْهُمْ , فَوَهَبْنَا لَهُ اِبْنه إِسْحَاق , وَابْن اِبْنه يَعْقُوب بْن إِسْحَاق { وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا } يَقُول : وَجَعَلْنَاهُمْ كُلّهمْ , يَعْنِي بِالْكُلِّ إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب أَنْبِيَاء وَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا } فَوَحَّدَ , وَلَمْ يَقُلْ أَنْبِيَاء , لِتَوْحِيدِ لَفْظ كُلّ .
{50} وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا { وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتنَا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَرَزَقْنَا جَمِيعهمْ , يَعْنِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مِنْ رَحْمَتنَا , وَكَانَ الَّذِي وَهَبَ لَهُمْ مِنْ رَحْمَته , مَا بُسِطَ لَهُمْ فِي عَاجِل الدُّنْيَا مِنْ سَعَة رِزْقه , وَأَغْنَاهُمْ بِفَضْلِهِ . وَقَوْله { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَان صِدْق عَلِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَرَزَقْنَاهُمْ الثَّنَاء الْحَسَن , وَالذِّكْر الْجَمِيل مِنْ النَّاس , كَمَا : 17907 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : لَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَان صِدْق عَلِيًّا } يَقُول : الثَّنَاء الْحَسَن . وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اللِّسَان الَّذِي جُعِلَ لَهُمْ بِالْعُلُوِّ , لِأَنَّ جَمِيع أَهْل الْمِلَل تُحْسِن الثَّنَاء عَلَيْهِمْ , وَالْعَرَب تَقُول : قَدْ جَاءَنِي لِسَان فُلَان , تَعْنِي ثَنَاءَهُ أَوْ ذَمّه ; وَمِنْهُ قَوْل عَامِر بْن الْحَارِث : إِنِّي أَتَتْنِي لِسَان لَا أُسَرّ بِهَا مِنْ عَلْوَ لَا عَجَب مِنْهَا وَلَا سَخَر وَيُرْوَى : لَا كَذِب فِيهَا وَلَا سَخَر . جَاءَتْ مُرَجَّمَة قَدْ كُنْت أَحْذَرهَا لَوْ كَانَ يَنْفَعنِي الْإِشْفَاق وَالْحَذَر مُرَجَّمَة : يَظُنّ بِهَا .
{51} وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَاب مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد فِي كِتَابنَا الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُوسَى بْن عِمْرَان , وَاقْصُصْ عَلَى قَوْمك أَنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : " إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا " بِكَسْرِ اللَّام مِنْ الْمُخْلِص , بِمَعْنَى : إِنَّهُ كَانَ يُخْلِص لِلَّهِ الْعِبَادَة , وَيُفْرِدهُ بِالْأُلُوهَةِ , مِنْ غَيْر أَنْ يَجْعَل لَهُ فِيهَا شَرِيكًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة خَلَا عَاصِم : { إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا } بِفَتْحِ اللَّام مِنْ مُخْلَص , بِمَعْنَى : إِنَّ مُوسَى كَانَ اللَّه قَدْ أَخْلَصَهُ وَاصْطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ , وَجَعَلَهُ نَبِيًّا مُرْسَلًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْلِصًا عِبَادَة اللَّه , مُخْلَصًا لِلرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّة , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب . { وَكَانَ رَسُولًا } يَقُول : وَكَانَ لِلَّهِ رَسُولًا إِلَى قَوْمه بَنِي إِسْرَائِيل , وَمَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ نَبِيًّا .
 

المراجع

موسوعه الاسلام

التصانيف

تصنيف :تفسير القران الكريم