قبل حوالي عام ونصف، تغنى الرئيس الأميركي جورج بوش طويلاً بالديمقراطية الناشئة في لبنان. اعتبر انتفاضة الاستقلال الثاني دليلاً على نجاح سياسته نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، رغم الاختلاف الجذري بين منطلقات الانتفاضة وأهدافها وبين رؤية بوش المشوهة المنقوصة للديمقراطية.
حملت قوى التحرر في لبنان آنذاك وزر شبهة التقاء أهدافها مع رغبات الإدارة الأميركية ومصالحها. ودفعت هذه القوى مذاك ثمناً باهظاً، تشكيكا من قبل كثيرين من العرب في وطنيتها نتيجة اتهام أعدائها الزائف لها بالتبعية لأميركا.
الحقيقة هي أن واشنطن لم تدعم الحكومة اللبنانية التي شكلتها قوى 14 آذار. لم تقف أميركا الى جانب لبنان وهو يحاول إعادة بناء دولته بعد عقود من الوصاية السورية وفقدان هيبة الدولة. لم تضغط على إسرائيل لتنسحب من مزارع شبعا أو لإعادة الأسرى اللبنانيين، فتُحل بذلك الأزمة من جذورها. وظلت قضيتا شبعا والأسرى قنبلة موقوتة كانت تنتظر لحظة الانفجار.
انفجرت القنبلة. ومرة أخرى، خذلت أميركا لبنان. وفرت لإسرائيل كل ما تحتاجه من دعم ووقت لتدمر لبنان ولتقتل الأبرياء من أهله. منعت المجتمع الدولي من التصدي لمسؤولياته في رفض عدوان غاشم. وحالت دون إدانة مجزرة بحجم قانا.
بعد شهر من الحرب، وتحت ضغط بشاعة العدوان وهمجية المجازر الإسرائيلية، وبعد أن أثبت صمود حزب الله والشعب اللبناني عبثية محاولة حسم الصراع عسكرياً، سمحت أميركا لمجلس الأمن الدولي إصدار قرار أممي مجحف، لكنه، رغم ذلك، يمهد لوقف الحرب.
يفترض أن تتوقف الأعمال "الحربية" صباح اليوم. استبقت إسرائيل ذلك بتصعيد محموم لعدوانها. وليس هناك ما يؤكد أن اسرائيل لن تتحايل على القرار بعدوان ستبرره على أنه دفاع عن النفس. لم يسبق أن التزمت إسرائيل أي قرار للشرعية الدولية إذا لم يكن في ذلك التقاء مباشر مع مصالحها. ولا شيء، يطمئن انها ستلتزم قرار 1701 الآن. الأبواب مفتوحة على احتمالات خطيرة.
الخوف هو أن يطبق قرار 1701 بشكل انتقائي. فذلك سيؤدي إلى انفجار الأزمة من جديد، ما يعني مزيداً من التدمير للبنان والقتل للبنانيين.
المطلوب الآن هو أن يسرّع في تجهيز قوات الأمم المتحدة (اليونيفيل) لتنتشر والجيش اللبناني في الجنوب حتى تخرج قوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. أي تلكؤ في تنفيذ ذلك سيشعل الحرب من جديد. ولن يستطيع أحد أن يطلب من حزب الله عدم مقاومة جيش إسرائيلي يحتل أرضاً لبنانية.
بعد ذاك، يجب أن لا تدرج القضية اللبنانية ادراج النسيان. ثمة حاجة ماسة لانسحاب إسرائيل من مزارع شبعا وتبادل الأسرى. ذلك ان تحقيق هذين الشرطين ضرورة رئيسة لبسط الحكومة اللبنانية سلطتها على الأراضي اللبنانية.
مكمن الخطر هو أن تلتفت أميركا ومن ورائها المجتمع الدولي الى المصالح الإسرائيلية فقط وهي تسعى الى تطبيق القرار 1701، فتضغط باتجاه نزع سلاح حزب الله من دون حل قضيتي شبعا والأسرى. وعند ذاك سيدخل لبنان في دوامة ستهدد أمنه واستقراره.
فمصلحة لبنان هي التي تقتضي أن تكون السيادة محصورة في يد الحكومة. ومصلحة لبنان هي التي تستوجب أن لا ينازع الدولة أحد حقها في احتكار حمل السلاح. والحكومة اللبنانية هي التي كانت تسعى لإنهاء ازدواجية السيادة على أرضها قبل بدء الحرب في الثاني عشر من شهر تموز (يوليو) الماضي.
لكن الحكومة اللبنانية تعرف أن التوافق هو السبيل الأسلم لمعالجة قضية سلاح حزب الله. ولن يتحقق هذا التوافق، ولن تُحيَّد القوى الإقليمية التي لا تريد استقرار لبنان، إلا إذا تسلحت الحكومة باستعادة مزارع شبعا على الأقل في جهدها حل هذه المعضلة.
وهذا ما يجب أن تدركه أميركا أيضاً. فلا حلول منقوصة، أو متهورة، في التعامل مع قضية سلاح حزب الله. لا يجوز أن يظل في لبنان أي قوى خارج إطار الدولة. لكن لا يجوز أيضاً أن يكون هناك احتلال. وعلى من يريد مساعدة لبنان والحؤول دون تدميره مرة أخرى، أن يسلح الحكومة اللبنانية بانعدام الأسباب التي يطرحها حزب الله مبرراً للتمسك بسلاحه.
خذلت أميركا لبنان سابقاً. ولا أحد يثق أنها لن تخذله مرة أخرى. وبسبب ذلك، يبقى الخوف على مستقبل لبنان مشروعاً ومبرراً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد