انتظر الرئيس السوري بشار الاسد نهاية العدوان الاسرائيلي على لبنان لينطق. ومفهومٌ قرار الرئيس السوري هذا في ضوء فحوى ما قاله. فشعاريته وقومجيته ومزايداته كانت ستبدو أكثر هزالة لو أنها جاءت وسط اصوات المدافع التي لم يحرك النظام السوري ساكناً للتصدي لها.
تحدث الأسد وكأنه عاد لتوه من الجبهة. حاضر حول الصمود والمقاومة وكأن الجولان مشتعل في وجه الاحتلال. نسي ان للناس ذاكرة وآذاناً وعيوناً لم تسجل أي فعل سوري مقاوم منذ عقود ولم تلحظ من النظام السوري إلا استقواءً على لبنان وعلى الشعب السوري وخنوعاً أمام اسرائيل.
واليوم، وبعد أن خرج لبنان من حرب مدمرة حافظ خلالها اللبنانيون على وحدتهم وصمودهم في وجه آلة الحرب الاسرائيلية، يخرج الأسد عليهم وعلى العرب بخطاب تخويني تحريضي يذكي الفتنة في لبنان ويزرع بذور الاقتتال والفوضى.
واضحٌ أن النظام السوري ما يزال غير قادر على التعايش مع انتهاء وصايته على لبنان. رسالته، باختصار، هي أنه إما لبنان تحكمه سورية وتستغل خيراته وموارده، وإما لبنان ضعيف تمزقه الفوضى وينهشه الاقتتال الداخلي.
أطرف ما في خطاب الأسد حديثه عن المقاومة. فالطريق الى تحقيق السلام، يقول الرئيس السوري، هي المفاوضات فإن فشلت تشكل المقاومة بـ"اشكالها المختلفة" البديل. فشلت المفاوضات، فأين المقاومة السورية؟
يبدو الرئيس السوري مقتنعاً بأن القناع الذي يلبسه البعث منذ فرض قبضته الحديدية على سورية واحرارها ومثقفيها ما يزال قادراً على إخفاء زيف البعث وقومجيته الفارغة.
لكن الامر ليس كذلك. فالناس يعرفون ان النظام السوري لم يقاوم الا بالدم اللبناني وعلى حساب لبنان. والا فليترجم النظام السوري قوله فعلا، ويسمح بقيام مقاومة سورية لتحرير الجولان تأخذ، كما قال الرئيس السوري، "غطاء من الحكومة وليس إذنا". فالشعب السوري كان مصنعاً للثورات الوطنية وسطر دروساً في المقاومة الحقيقية قبل ان يكتم البعث انفاسه. والشعب السوري قادر على أن ينتج المقاومة الحقيقية التي تحاكي تاريخه الوطني إذا وفر له البعث "الغطاء".
بيد ان ذلك لن يحدث. فحدود المقاومة البعثية في سورية هي الشعارات الرنانة والمزاودة الكلامية والاستقواء على اللبنانيين وتخوين تيارات تمثل، على الاقل، نصف الشعب اللبناني.
صحيح ان الحرب على لبنان اظهرت وهن الدول العربية وانعدام قدرتها على مواجهة العدوانية الاسرائيلية. لكن النظام السوري كان أول من عرّته الحرب.
لا يحق للنظام السوري ان يوظف صمود المقاومة اللبنانية ذخيرة لانعاش ترسانته اللفظية التي فقدت كل أثر الا عند قلة ما يزالون أسارى عقلية دكتاتورية اقصائية تكذب من دون خجل، وتزاود من دون عمل.
كان الأحرى بالنظام السوري أن يلتزم الصمت بعد أن اسقطت الحرب على لبنان قناع الوطنية الذي يحاول من دون جدوى ان يغطي به قصوره وعجزه وعبثية ادواته، التي قمع بها اللبنانيين كما السوريين. فالذين قاوموا وصمدوا كانوا اكثر تواضعاً واعمق وعياً من النظام السوري الذي أثبت، مرة أخرى، أن لا عطار قادر على اصلاح ما أفسد الدهر.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد