حين بدأ الضيف آسيوي الملامح ببث فقرته التي اشتهرت فيما بعد، في برنامج "البرنامج"، قامت "أم ماريا" من فورها تبحث عن جهاز التحكم، لتخفض الصوت على آخره.
فهي فقط أرادت أن تتأكد من المعلومة التي سمعتها صباح اليوم من قبل زملائها في العمل، فقررت انتظار حلقة الإعادة، لترى بأم عينها، وتسمع بنفسها اللهجة الفخورة المليئة بالاعتزاز لهذا الوطن، الذي يقدر حب قاطنيه وإخلاصهم وبالطبع "ظروفهم الاستثنائية"، التي تقفز فوق حواجز القانون العنيدة، وتستدعي روح العدالة، وتحصل بالتالي على كامل الحقوق، وتؤدي يمين القسم، حتى لو كان صاحبها من أب كوري وأم فيتنامية!
أم ماريا لم ترد لابنتها البكر، أن تنتبه لصوت التلفاز لأنه باختصار، لا ينقصها المزيد من الحزن والقهرK وقد قدرت أنها لم تسمع بالحلقة، أو تقرأ لردود الفعل على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة وهي جدا مشغولة هذه الأيام، في التحضير لحفل زواج آخر الشقيقات، والذي لم يبق على موعده إلا عدة أيام.
أربع بنات، استطاعت أم ماريا أن تكمل المسيرة في تربيتهن وتعليمهن وحدها، بعد أن ترملت عليهن، وهن بعد بتلات طرية، ثلاث منهن كتب الله لهن نصيب الزواج، ما عدا ماريا أمهن الثانية، التي كانت منذ صغرها، تفتح الباب لهن وتسخن وجبة غدائهن، تحل معهن الواجبات وتغسل صحونهن وتعد ابريق الشاي، لحين عودة الأم من العمل.
ثم وحين أصبحت ماريا في الصف الثامن تنامت لديها مشاعر الأمومة، وتجلى الإحساس بالمسؤولية، حتى صارت تستطيب ترك الكتاب جانبا، لتفاجئ أمها المنهكة بوجبة الغسيل على المنشر، وتنظيف الحمام وإعداد وجبة الغد! وطبيعي أن تحصيلها العلمي تراجع كثيرا، بسبب روح التضحية التي سيطرت عليها، وجعلتها أسعد الشقيقات على الإطلاق. لكنها لم تهتم أبدا لمسيرة جرجرتها التعليمية التي أوصلتها إلى نتيجة "توجيهي راسب"، ولا لتفوق شقيقاتها في الدراسة والعمل.
بل بالعكس، كانت تسعى دائما إلى نجاحهن ووصولهن إلى بر الأمان. كانت أيضا تؤمن إيمانا مطلقا بحرية الاختيار والحق في إبداء الرأي. وقفت مع أخواتها تساندهن في اختيار أشكالهن وملابسهن وتخصصات دراستهن واختيار صديقاتهن، تفرح معهن في الحفلات التي يدعينها فيها كضيف شرف، تتصور معها البنات ويرسلن لها قبلات الحب ونظرات الامتنان، لأنها كانت بئر أسرارهن، وحضنهن الدافئ حين يدير الحبيب لأحدهن ظهره ويمضي.
هل كان لها حبيب؟ لا أعتقد ذلك حسب علمي، إنما أظن أن جارا قديما كان يسكن في الحي، لم تكتمل معه قصتها القصيرة، سمعنا أنه تزوج من فتاة أوكرانية، تعرف عليها في حفل! وبالتأكيد لم تستمر في أي محل ملابس عملت به "وهذا فقط الذي كان متاحا"، بسبب أوراقها الثبوتية الناقصة!
نعود إلى أم ماريا القلقة على مشاعر ابنتها. بصراحة أنا شخصيا لا ألومها، فمن حقها أن تغضب وتتوتر، لأن ماريا تحديدا لا تحتاج لا "لمزايا خدماتية" ولا "لحقوق مدنية"، قررت الدولة أن تعطف عليها وتمنحها إياها كون والدتها أما أردنية.
فبعد انقضاء العمر وتفرق الأحباب، ماذا يمكن أن تفعل ماريا بالمزايا الخدماتية التي هي متحصل عليها أصلا؟! لماذا يحق لشقيقاتها الحصول علي الجنسية والرقم الوطني، فقط لأنهن ارتبطن برجال من الوطن؟ لماذا يحق لجارها أن يضيف أطفاله إلى جواز سفر أمهم الأردني، وهي التي تصر على أن يكلموها باللغة الأوكرانية، في بيت جدهم؟ لماذا يتباهى "قاطنون" بأرقامهم الوطنية ومفرداتهم المكسرة وإدعاداتهم بمعرفة البلد حارة حارة، وأحيانا كثيرة تحميل هذا البلد جميلا عظيما لأنهم قبلوا بجنسيته، التي اشتروها بأموالهم؟ لماذا تحرم أم ماريا من حقوقها الدستورية والوطنية، رغم أن القانون لا يفرق بينها وبين الرجل إطلاقا، في أداء الواجبات؟!
لماذا لا تحصل ماريا على الجنسية الأردنية والرقم الوطني؟ هذا هو السؤال!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب