استفاق حاكم إمارة "تمرحنه" على بقية صوت العبارة، التي ظلت تتردد في حلمه ليلة البارحة، كما في كل ليالي الأول من نيسان (ابريل)، خلال السنوات الأخيرة. كان العرق البارد يتصبب من جانبي رأسه، ويسيل على وجنتيه، مثل كل طلعة فجر يداهمه فيها الحلم، فيما أنفاسه المتهدجة تكاد لا تهدأ، من هول ما تردد على سمعه. قليلة هي أحلام الحاكم في العادة، أقصد أحلام النوم طبعا، ولكنها حين تجيء، تكون قوية محددة وحاسمة! وهذا الحلم تحديدا، صار جزءا أساسيا من مذكراته في أول أيام الربيع.
فالحاكم يرى فيما يرى النائم العادي، أنه ممدد على أرض ترابية بسيطة ومتواضعة، تحت شجرة عادية ليست وارفة الظلال تماما، في وقت يبدو أنه الظهيرة حسبما يذكر. ويري أيضا إلى جانبه دوما، شخصا مهيبا طويل القامة ضخم الهيئة، يرتدي ملابس متواضعة لا تكاد تغطي ساقيه الطويلين، ويكون غافيا هو الآخر تحت نفس الشجرة. هو الآن يتذكر جيدا ملامحه المستسلمة للراحة، برغم ندوب الشقاء البادية على وجهه، وكفيه الخشنتين.
يعتقد حاكم "تمر حنه" أنه أيضا كان يغفو بعمق مثل الشخص الذي يجاوره في المكان، إنما كان يرتدي أفخم ثيابه الأوروبية التي يحب أن ينتقيها بنفسه، وحذاء جلديا لامعا لم تصبه ذرة غبار واحدة من التراب الذي يحيط به. هو متأكد أنه كان مستغرقا في نومه داخل حلمه، لأنه لا يمكن أن ينسى أهم لقطة في رؤياه الغريبة، حين يفتح عينيه، وهو في الحلم، على صوت شخص قادم غريب الملامح والمظهر، يردد العبارة ذاتها، والتي لم تنفك تعيد نفسها بنفسها قرب أذنيه، وتتسلل إلى رأسه مباشرة، فتتحول إلى ما يشبه المطرقة تدق جمجمته. حيث يقف غريب الهيئة مباشرة في مواجهة الرجلين النائمين، يسد عين الشمس بدرعه الفضي وخوذته المخروطية، ويقول بصوت جهوري: "حكمت فعدلت فأمنت فنمت".
ياااااه! لقد كان صدى الصوت أقوى من الصوت نفسه، حتى كأنه شعر بجسده يهتز وينتفض لا يعرف أهو من حضور الغريب أم من عمق الحديث. ينظر الحاكم تلقائيا إلى رفيقه تحت الشجرة، فيجده مستكينا هادئا، وعلى طرف شفته ابتسامة توحي بالرضا، وكأن العاصفة التي مرت قبل لحظات عليهما، نسيم طري هفهف فوق رأسه. يختفي الشخص الغريب من أمام عيني الحاكم فجأة، مثلما ظهر فجأة. والداهية أنه يختفي دائما قبل أن يجيب عن سؤاله، الذي ينحشر في حلقه كلقمة عصية على البلع. كان يعاني في حلمه الثقيل معاناة مريرة، وهو يحاول أن يخرج سؤاله للهواء: من تقصد؟ أنا أم هو؟ وكان في كل مرة يصحو على نفسه ويداه معلقتان في الهواء تستجدي عودة الغريب، أو تحاول التقاط الجواب على السؤال؛ أنا أم هو؟
اليوم، وبعد أن قرر مصارحة كاهنه الأمين، وحافظ سره المكين بهواجسه من ذلك الحلم الغامض الذي لم يجب عن سؤاله؛ وجد حاكم "تمر حنه" أن الإجابة الشافية الكافية، سهلة وبدهية بل ومنطقية وبين يدي إرادته طوال تلك السنين؛ فمن الذي رأى الحلم يا سيدي؟ أنت أم هو؟ من الذي استيقظ على الصوت واهتز بدنه من هول الصدى؟ أنت أم هو؟ من الذي شاهد صاحب الدرع يسد عين الشمس؟ أنت أم هو؟ إذن كان يقولها لك أنت.. واضحة!
فلتدع النائم مستكينا في رقدته يرى أحلامه السعيدة، التي تنسيه شقاء لا يعلمه إلا الله، ولنحتفل يا سيدي بحكمك العادل، الذي لا يعرف أن ينام تحت شجرة!
المراجع
maqar.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب