بصراحة متناهية، أشعر أن مسألة الاعتصامات زادت عن حدها، فلا الحكومة ولا غيرها تستطيع أن تستجيب لكل مطالب الناس المعتصمة، من كل لون ونوع، وليس منطقيا ولا معقولا أن يعتصم كل من له مطلب، وإلا فسنجد الملايين الستة قريبا يملأون الساحات والميادين

أعترف أنني لو كنت رئيسا للوزراء لاستقلت ووليت هاربا من حيث أتيت، فالمطلوب من الرئيس وطاقمه الوزاري يفوق قدرتهم بكثير، وحالهم حال من «ألقي في اليم مكتوفا وقيل له: إياك إياك أن تبتل بالماء»

كلفة الاعتصام المالية أمنيا أحيانا، ربما تفوق المبلغ الذي اعتصم القوم من أجله، وهذه دوامة لعينة لا خروج منها إلا بحل سحري، لا أدعو الناس إلى الخنوع أو القبول بالظلم، ولكنني مغتاظ من كثرة الاعتصامات وتنوعها، وعبثية بعضها أحيانها، وأحسب أنني سأعود يوما إلى البيت لأجد أم العيال والعيال معتصمين خارج البيت للتعبير عن مطالبهم، ولربما حدث مثل هذا في دول الربيع العربي

كثرة الاعتصامات والاحتجاجات تربك السلطة، أي سلطة، وتزيد من كلفة حفظ النظام العام، وما تدفعه الدولة للحفاظ على سلامة المعتصمين والمجتمع يأتي من جيب المواطن أو من مخصصاته أصلا، ما يعني أن ثمة جرحا نازفا يستهلك الميزانية العامة، ويستنزف أعصاب الأجهزة المختلفة، وهذا ينعكس سلبا على أدائهم، ويجعلهم أقرب إلى الانفجار، وتخيلوا معي ماذا سيحصل إن فقدت الناس أعصابها، واختلط الحابل بالنابل

الاعتصامات الدائمة، بسبب وبغير سبب، كبر أم صغر، قنبلة موقوتة، أو مجموعة من الشرارات، ومن المحتمل أن تمتد وتكبر، أو تنفجر في وجوهنا جميعا، هناك أكثر من طريقة للتعبير عن الرأي، والمطالبة بالحقوق، والكلام هنا موجه للأطراف كلها، لو وجد المعتصم أو المنتحر أذنا صاغية من المسؤول لما لجأ إلى الشارع، ولو كان لدينا وسائل إعلام مؤثرة تنقل رأي الناس بمنتهى الحرية لما اعتصموا، ولو كان لدينا مجلس نواب يمثل الشعب فعلا، لناب عنهم في حمل همومهم، ولما احتاج صاحب الحاجة لحمل لافتة والوقوف في هذا البرد القارص، ولو ولو... فقائمة اللولوات تطول

مرة أخرى، أعيد وأزيد، أنا لا ألقي باللوم على المعتصمين فقط، بل إن المسؤولية جماعية، وقبل أن نقول أن الانتحار حرام مثلا، علينا أن نبحث عن السبب الذي يدفع المنتحر لقتل نفسه، وقبل أن نقول للمعتصمين كفى، عليما أن نقول: كفى للظلم

اعتصموا.. لكن تذكروا أن المُنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع، ولا نقول في النهاية إلا... واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية