اليوم عطلة، يرتاح الأولاد من المدرسة فيتعلمون أخيرا شيئا اضافيا مفيدا. عبر بعض الفضائيات الجيدة والانترنت ومجلات الأطفال والحديث مع أفراد العائلة.
ذهبت أول أمس -ولأول مرّة- من أجل اللقاء السنوي لذوي الطلبة مع المعلمين والمعلمات، ولم أجد ما أشكو منه فعلامات الولد ممتازة، لكن ذهني كان منصرفا لشيء آخر هو التفكير في كل هذا الوقت الذي يقضيه الأولاد في المدارس بينما عالم المعرفة المتاح أمامهم في الخارج بات بلا حدود. انهم يتقنون الجلوس أمام الانترنت ويتواصلون بـ"الشات" وعبر "الفايس بوك"، ويرشدون بعضهم على مواقع ومصادر معرفة، ويشاهدون فضائيات للأولاد تبثّ على مدار الساعة مواد ممتازة ويقرأون مجلات وكتيبات للأطفال من مختلف الأعمار.
هل يعقل أن تبقى وسائل التعليم، بل مفهوم المدرسة نفسه، كما كان عليه منذ عقود؟! أراهن أن الآباء والأمهات يستشعرون الفرق بينهم حين كانوا صغارا وبين أبنائهم في مستوى الذكاء والفهم والاحاطة المعرفية، وليس السبب أبدا هو المدرسة، فالتعليم الآن ليس افضل من زمان، ولم تتغير المدرسة كثيرا، لكن خارج دفتي الكتاب المدرسي والصفوف الكئيبة والمعلمين المرهقين من ضغوط المعيشة وفاقدي الحماس والقناعة، يحيط بالأولاد اليوم بحر من مصادر المعرفة الفورية الأرحب. ويمكن أن نضيف طبعا تطور مستوى المعيشية والتغذية والاهتمام والرعاية التي يحظى بها الأطفال.
خمسة ايام وبمعدل 8 ساعات يوميا في المدرسة من الوقت الضائع والدوام المرهق هي أقرب للعقوبة التي يرى فيها الطفل قدرا مكتوبا عليه لا يعرف له سببا فقد جاء الى الدنيا وهي مرتبة هكذا، الكبار يشتغلون 8 ساعات في اليوم، وهو يجب ان يمضي 8 ساعات يوميا على مقعد يتناوب عليه معلمون بأمزجة مختلفة، وعليه تلقن أشياء مملة وعقيمة دون سؤال أو احتجاج.
المساعدة على اكتساب المهارات والمعارف الحياتية، الاستخدام الأمثل للعقل الذي وهبه الله للإنسان، التفكير النقدي والبحث والتقصّي لإدراك الاشياء. هذا ما يجب أن يكون اساس العملية التربوية، ثم اعطاء المعلومات التي تتطلب حفظا وتخزينا. ان ثلاثة ارباع المناهج يجب إلقاؤها في سلّة المهملات واستبدالها بمصادر حيوية مما يتوفر عمليا خارج المدرسة.
نحتاج الى "ثورة" حقيقية في التعليم، فالمدرسة تقف على مسافة بعيدة وراء ما يتوافر خارجها. ان ثلث ساعات الدوام تكفي لتلقين الطفل ما يلزم بوسائل التعليم الكلاسيكية، والباقي يجب استثماره لإشباع فضول الطفل وقدراته بوسائل تفاعلية وميدانية متصلة بالحياة العملية في الخارج. ويمكن تطوير اساليب تشاركية تطوعية للمؤسسات والأفراد وذوي الطلبة في العملية التربوية.
دع عنك بعض مدارس النخبة المكلفة جدا، فالأغلبية من المدارس العادية الخاصّة والحكومية هي معسكرات اعتقال مؤقتة لأجساد وعقول الأولاد، والمسألة لا تتعلق بتوفر المال على أهميته، فالأساس هو تغيير العقلية والمفاهيم السائدة، تغيير في مفهوم المدرسة والعملية التربوية من اساسها.

المراجع

جريدةا لغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد