شرائح واسعة من الأردنيين مستاءة من زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى المملكة اليوم. يحق لها ذلك. والحكومة تتعامل مع الزيارة باهتمام كبير. وعليها واجب ذلك. وتلك مفارقة تعكس جدلية العلاقة مع أقوى دولة في العالم وأكثرها تأثيرا على راهن الشرق الاوسط ومستقبله.
يرى الناس في بوش قائدا لدولة أغرقت سياساتها المنطقة في أتون الفوضى والصراع وحالت دون إنصاف شعبٍ فلسطينيٍ يعاني ويلات الاحتلال الأقسى والأكثر ظلما في التاريخ.
وتتعامل الحكومة مع بوش بواقعية تدرك ضرورة إدامة جسور التواصل معه وأهمية إسماعه آراءها ومواقفها حول الصراعات التي تعصف بمصير بلاد العرب.
بوش هو الذي قرر غزو العراق من دون الالتفات إلى الآثار الدمارية لإسقاط الدولة العراقية. كثيرون سعدوا لإنقاذ الشعب العراقي من دكتاتورية صدام حسين. لكن العراق وجواره يعانيان تبعات ضيق الأفق الأميركي وعنجهية بوش التي وضعت العراق على الطريق إلى الهاوية.
وبوش هو الذي لم يفِ بوعده إقامة دولة فلسطينية مستقلة بحلول العام 2005. إدارته أسقطت القضية الفلسطينية من سلم أولوياتها. وممثله في الأمم المتحدة حال دون إصدار مجلس الأمن دعوة لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان لأكثر من شهر.
تلك هي صورة بوش في الرأي العام الأردني. وذلك سجل لا يمكن إلا أن يستجلب الغضب والرفض والعدائية.
بيد أن بوش يرأس القوة العظمى الوحيدة في العالم. لا تَقدُّم في عملية السلام من دون دور مباشر وفاعل لبلاده. ولا حل لمأساة العراق إن لم تُعِدْ الولايات المتحدة النظر في كيفية تعاملها معها.
وتلك حقائق تفرض على الأردن أن يبنيَ أفضل علاقات ممكنة مع واشنطن. لذلك فإنّ قدوم بوش إلى الأردن يسجل للمملكة لا عليها. الزيارة مؤشر على نجاح الأردن في المحافظة على حضور إقليمي ودولي يوظفه للإسهام في إنقاذ المنطقة من المنحدر الذي ما انفكت تهوي نحوه وسط بيئة تَمكّنها اليأس والغضب والإحباط.
لن يلحظ بوش حجم هذا الغضب الشعبي على زيارته. لكنه سيسمع من جلالة الملك تقويما واقعيا لخطورة الأوضاع. وأهمية الزيارة ستحددها مدى رغبة بوش في رؤية ما أغمض عينيه عنه سابقا، والاستماع إلى رؤية دول عربية تدفع ثمن اعتدالها وإخفاقات الإدارة الأميركية.
زيارة بوش ليست حدثاً تاريخياً. فليس في جعبة الرئيس الأميركي مبادراتٌ تنقذ العراق من براثن الاقتتال الداخلي او ترفع عن الفلسطينيين قهر الاحتلال وظلمه. لكن يمكن للزيارة أن تطلق حراكا إيجابيا لإصلاح ما أفسدته سياسات أميركا إن تخلى بوش عن أحاديته وفوقيته وتفاعل إيجابيا مع ما سيسمعه في عمان من منطق لا بديل عنه لإعادة الأمن والاستقرار إلى الشرق الأوسط.
ليس سرا أن الاردن والسعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول العرب تعمل منذ أشهر على بلورة موقف موحد يقدم خريطة طريق للخروج من أزمات المنطقة. ذلك موقف ولد من الضرورة. وتم التوصل إليه عبر تنسيق غير مسبوق في عمقه وشموليته. الخطر دفع هذه الدول للعمل معا. وآن لبوش أن يرى حجم هذا الخطر أيضا فيتحرك سريعا للعمل على التصدي له.
فالوقت ليس في صالح المنطقة. والإنفجار قادم لا محالة إن لم يُعَدْ إلى أهلها بعض أمل بإمكانية إنصاف قادم. وليس صدفة أن جلالة الملك استبق زيارة بوش بتحذير صارخ من إمكانية تفجر حروب أهلية في ثلاث دول عربية إن لم يتمَّ استدراك الخطايا التي ترتكب.
وحدها أميركا قادرة على هذا الاستدراك. إن فعلت حمت مصالحها وأسهمت في تكريس السلم الإقليمي. وإن ظلت على مواقفها فاقمت أزمات قائمة وأشعلت أخرى وأدخلت المنطقة والعالم في أنفاق حروب وصراعات حضارات لا حد لدماريتها.
ولا يُغرَنّ بوش بعدم استقباله بمظاهرات حاشدة ترفضه وتستفظع أعماله. فلو خُيّر الناس لخرجوا بمئات الألوف ليقولوا لا لزيارته. غياب المظاهرات لا ينفي وجود الغضب. وإدارته تملك من استطلاعات الرأي ما يؤكد أن سياسات أميركا جعلت منها عدوا في عيون الملايين على امتداد العالم. ذلك يمكن أن يتغير إن تغيرت سياسات أميركا.
ستوفر لقاءات عمان لبوش نصحا لإحداث هذه التغييرات التي تفرضها مصلحة أميركا ومصالح المنطقة.
وهذه تغييرات يجب أن تستهدف الأوضاع في فلسطين أولاً. القضية الفلسطينية هي أساس الصراع ومفتاح الحل. معالم هذا الحل واضحة: دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. والعائق أمامه إسرائيل وانحياز أميركا. يستطيع بوش أن يبدأ خطوات حقيقية نحوه. فما كان غائبا هو الإرادة. وتلك يملك بوش قرارها.
وعلى بوش ألا ينسى أيضا أنه يتحمل وبلاده مسؤولية أخلاقية وسياسية وقانونية في العراق. هو الذي خلق الازمة. وعليه أن يعمل لحلها.
أمام بوش فرصة لتصحيح بعض ما ارتكب من خطايا في المنطقة، وتلك فرصة لن تتاح مجددا إن لم تستغل، وتستغل بسرعة.
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد