أخيراً، ومتأخراً كثيراً، اعترف وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد بعجز الاستراتيجية الأميركية في العراق. ومتأخراً أكثر، قرر الرئيس الأميركي جورج بوش أن يستمع لأي نُصح يأتيه حول العراق.
تغيّر موقف بوش بعدما كلفه فشله في العراق أكثرية حزبه في الكونغرس الأميركي. ولم يترجم هذا التغيّر المعلن بعدُ سياسةً تخرج العراق من براثن الفوضى التي يدفع العراقيون ثمنها دماً وخوفاً وحرماناً.
أسباب التغير براغماتية أميركية لا مؤشرات أنها ستتحول ثابتاً سياسياً يقر بأخطاء السياسة الخارجية الأميركية وينفتح على خيارات كانت الولايات المتحدة نُصحت بها ورفضتها.
ولا مؤشرات أيضاً أن التغير في آليات عمل واشنطن سيستهدف مصالح الشعوب المتضررة من سياساتها ولن ينحصر في حدود البحث عن وسائل لحماية المصالح الأميركية وإيجاد مخرج من المستنقع الذي غرقت فيه. وهذا عامل طمأنة يبرر غيابه استمرار هواجس الشعوب العربية من أهداف أميركا في عالمهم.
اكتساب الاعترافات الأميركية بالخطأ صدقية في الشارع العربي يستدعي تحركاً أميركياً مقنعاً على جميع الجبهات التي فاقمت السياسة الأميركية من أخطارها على الشرق الأوسط. وتأتي القضية الفلسطينية في مقدمة هذه الجبهات.
أميركا أطلقت لإسرائيل العنان في فلسطين. ووفرت واشنطن غطاءً سياسياً لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي وقدمت له الدعم العسكري والاقتصادي. النتيجة كانت نجاحاً إسرائيلياً باهراً في قتل عملية السلام وما رافق انطلاقها من آمال بإمكانية حل الصراع العربي الإسرائيلي على أسس تضمن الحد الأدنى من العدالة والديمومة.
تقول أميركا الآن إنها ستكثف جهدها لإيجاد هذا الحل. لكن لا صدقية لقولها جراء عدم ترجمة أقوال سابقة أفعالاً. تحتاج أميركا أن تحقق إنجازاً ملموساً وسريعاً حتى يصدق الناس قولها.
ضرورة إسراع أميركا في تحقيق هذا الإنجاز مصلحة أميركية. وهذا ما لم تستوعبه الإدارة الأميركية على مدى سنوات حكمها. تبحث أميركا عن حل سريع للأزمة في العراق لأنها تدرك أن في ذلك خدمة لمصالحها. وما عليها أن تدركه هو أن في إنصاف الفلسطينيين مصلحة لها أيضاً. ذلك أن السلم الإقليمي شرطه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وسيخدم بوش بلاده والسلام الإقليمي والدولي إن قرر أيضاً الاستماع لنصائح أصدقائه العرب حول القضية الفلسطينية. فالعدائية نحو أميركا ستظل تنمو إذا لم تنهِ أميركا احتلالاً ساهمت في إدامته في فلسطين.
مصلحة أميركا أن تنحسر هذه العدائية. وتلك نصيحة آن لبوش أن يستمع إليها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد