ضروري أن يضطلع العرب بدور فاعل في جهود إنقاذ لبنان من المستنقع الذي تريد قوى إقليمية دفعه إليه. فتكريس لبنان منطقة نفوذ إيرانية وساحة للصراع الفارسي- الغربي والانتقامية البعثية والأطماع الإسرائيلية خطر سيطول كل الدول العربية.
لكن نجاح التحرك العربي يستدعي وضوحاً وإرادة لتسمية الأمور بأسمائها من دون مواراة او مداراة. ورغم ضرورة موضعة بيروت في قلب هذا التحرك، يستوجب نجاحه طرق أبواب طهران ودمشق حيث صُنعت الأزمة وحيث تُغذى نيرانها.
إيران تريد لبنان ساحة تهزم فيها أميركا. هذا تحديدا ما قاله المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران. وسورية تريد لبنان ساحة. وهذا ما أثبتته السياسة السورية في لبنان على مدى عقود استحال لبنان خلالها مرتعاً للأطماع السورية السياسية والاقتصادية.
طهران تريد أن تقاتل أميركا في لبنان. والنظام السوري يريد أن يثبت وطنيته من خلال مقاتلة إسرائيل في لبنان. وكلا النظامين يفعلان كل ما يستطيعان للحؤول دون وصول المعركة الى أراضيهما. وليتذكر من يروج لغير ذلك أن النظام السوري لم ينطق بكلمة واحدة طوال فترة العدوان الإسرائيلي على لبنان تموز (يوليو) الماضي. انتظر النظام السوري حتى انتهت الحرب وضمن عدم اضطراره لترجمة شعاراته الفارغة إلى فعل مقاوم حقيقي قبل أن يغرق العرب قومجية حاولت تجيير إنجاز المقاومة له.
لبنان لن يستقر إلا إذا تركه الطامعون والحاقدون لشأنه يحمي توافقيته وعيشه المشترك. ويرتكب العرب خطيئة ضد لبنان وأهله وضد أنفسهم إنْ تركوا شؤونه لنفوذ فارسي متنامٍ وتدخل بعثي انتقامي المنطلق والهدف أو لدور اميركي لن يكون الا ناقصاً وعاجزاً وفاشلاً.
فلا أميركا معنية بمصلحة لبنان. ولا إيران وسورية تأبهان بحق لبنان في العيش حراً مستقلاً وآمناً.
بيد أن الدول العربية لا بد أن تكون معنية. فهي "أم الصبي" وهي التي ستعاني ويلات تفاقم حال الاختناق اللبنانية. وأي دور عربي لحماية لبنان يجب أن يستند إلى إصرار لا يتزحزح على حق لبنان في الاستقلال وإلى إرادة في مواجهة أي محاولة، أنّى كان تغليفها وقناعها، لابقاء لبنان أسير الحسابات الإقليمية.
لا تستطيع قوى 14 آذار إلغاء قوى 8 آذار. ولا تستطيع المعارضة إلغاء الأكثرية وحقها في تقديم لبنان على كل مصلحة خارجية. وتلك هي القاعدة التي يجب أن ينطلق منها جهد عربي يجمع اللبنانيين على كلمة سواء تحمي لبنان لكل أهله.
ولأن ذلك لن يحدث إلا إذا حيدت القوى الطامعة في لبنان، فإنّ التحرك العربي يجب أن يبدأ في دمشق وطهران حاملاً موقفاً ثابتاً أنّ العرب سيبقون إلى جانب لبنان وشرعيته في وجه محاولات الاستقواء عليه ولو من خلال قوى لبنانية.
يستطيع العرب أن يوفروا طاولة حوار للقوى اللبنانية المتنازعة. ليضع كل فريق قضاياه وهواجسه عليها. وليكن معيار الحكم مصلحة لبنان واستقلاليته. عند ذاك لن يستطيع أي طرف أن يزوّر الحقائق، وحينذاك ستتعرى أجندات القوى الإقليمية التي لا تريد لبنان مستقلاً عن وصايتها. حوار ترعاه الجامعة العربية بين الفرقاء اللبنانيين لنزع فتيل الأزمة المتفجرة والاتفاق على صيغة تردم الهوة بينهم وتصنع توافقاً وطنياً هو الطريق التي يستطيع العرب من خلالها مساعدة لبنان ورفع الاقنعة عمن يريدون قتله وروحه الاستقلالية المستنيرة.
أجزم أنّ إيران ستحاول إفشال مثل هكذا مسعى. فتفعيل الدور العربي في لبنان يضرب هدف طهران الرئيس توسيع نفوذها في لبنان. كذلك سيفعل النظام السوري، الذي لا يريد للبنان أن يستقر. وسيغطي هذا النظام موقفه بشعاراتية قومجية بعثوية ما تزال تخدع بعضا ممن لا يريدون أن يروا الى الحقيقة، والذين سيتراكضون للدفاع عن هذا الموقف.
محظوظ جدا هذا النظام الذي ما يزال قادراً على خداع الكثيرين بأقوال تكذبها أفعال يصر أتباعه والمغررون عربياً بها على إغلاق أعينهم عنها.
فحتى فيما يتعلق بالأردن، ما يزال البعث السوري يحرم الأردنيين ماءهم ويقوض أمنهم لكنه يجد من يدافع عنه ويُحَمّل الأردن مسؤولية سوء العلاقات. لا يعني هؤلاء أنّ الأردن قدّم المبادرة تلو الأخرى لإعادة ترتيب العلاقات على أسس تضمن حقوق الطرفين وأنّ النظام السوري أحبط كل هذه المبادرات.
بيد أن تلك حال لن تدوم. فهي حال مزورة بدأ قناعها يتمزع. وقريباً ستظهر الصورة على حقيقتها وبشاعتها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد