كان باستطاعة حزب الله أن يعيش دهراً على مجد حققه مقاتلوه في مواجهة عدو يُجمع العرب على أن كل تصد له بطولة. فذلك مجد جعل من حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصرالله رمزاً تجاوز حدود لبنان إلى كل بقاع عالم العرب.
وبنى نصرالله على مجد المقاومة مجد التواضع لحين طويل كان خلاله، أو بدا، متحرراً من التحزبات الضيقة، مذهبية كانت أو سياسية.
بيد أن ذلك المشهد نالته تشوهات كثيرة منذ غيّر حزب الله أولوياته وخطابه ومنطلقاته. وذلك تغيّرٌ أفقد حزب الله الكثير من رصيده في لبنان وخارج لبنان.
 فحين يعد السيد نصرالله بنصر ضد إسرائيل لن يجد إلا الدعم والتعاطف والتعاضد. لكنه حين يتوعد نصف اللبنانيين على الأقل بالنصر عليهم فإنه يفتح الأبواب على هواجس مشروعة حول أهداف هذا النصر وتعاريفه.
نصرالله يقول الشيء وضده. ينشد الحوار ويتهم محاوريه المفترضين بالعمالة والخيانة. يؤكد أن لا حرب أهلية قادمة لتخرّب لبنان، لكنه يعطي محازبيه كل أسباب كره شركائهم في الوطن والحق في الانتقام منهم. فإذا كان رئيس الوزراء اللبناني عميلاً، وإذا كانت قوى 14 آذار "قتلة"، فأي حصانة يُبقي حزب الله لهؤلاء ضد الانتقام؟ أليس في التخوين هدر لدم المخوّنين؟
وإذا كانت الحكومة اللبنانية حكومة "فيلتمان"، السفير الأميركي في بيروت، فلماذا شارك وزراء حزب الله فيها ولم يغادروها إلا حين أقرت مشروع قانون المحكمة الدولية التي ستقاضي المتهمين بقتل رفيق الحريري؟
 أسئلة كثيرة لم يقدم حزب الله إجابات عنها. ما قدّمه السيد حسن نصرالله في خطابه الخميس الماضي كان سيلاً من الاتهامات غير المعززة بأدلة والتهديدات التي لا تبني وطناً ولا تحصنه ضد الانحدار نحو حرب أهلية ستكون نتائجها هزيمة للبنان ولكل اللبنانيين.
لا شيء يفسر اللغة التخوينية الاستقوائية لحزب الله إلا الولاءات الإقليمية. ولا يمكن فهم موقف الأمين العام لحزب الله إلا إذا رُبط بتطورات ومواقف دول تريد أن تُبقي لبنان ساحة مفتوحة لا وطناً آمناً.
 فقوى الأكثرية التي يخوّنها نصرالله قدّمت لحزب الله كل ما تستطيع من تنازلات. وتحالف 14 آذار رفض أن يقدّم حزب الله لقمة سائغة للمجتمع الدولي حين وقف ضد اعتباره ميليشيا كما نص قرار مجلس الأمن الدولي 1559. وهذه القوى وظفت كل ثقلها لاستصدار القرار 1701 بصيغة تحقق الحد الأعلى الممكن في ظل الظروف التي صدر فيها. قالت الحكومة إن موضوع سلاح حزب الله مؤجل. وأبقت باب الحوار مفتوحاً للخروج من الأزمة على أسس تحمي لبنان وأهل لبنان. وأعلنت أن لبنان سيكون آخر دولة توقع اتفاق سلام مع إسرائيل وبعد استعادة جميع الأراضي اللبنانية المحتلة.
 أما المحكمة الدولية التي تطالب بها الحكومة اللبنانية فهي حق لكل اللبنانيين. ولا يحق لحزب الله أن يكون أداة للنظام السوري الذي لا يريد لهذه المحكمة أن ترى النور. ولا يجوز أن يكون حزب الله أيضاً الباب الذي توسع من خلاله إيران هيمنتها على المنطقة. فلتهزم إيران أميركا في طهران إن شاءت. أما أن تحول دون أهل لبنان وحقهم في الأمن والاستقرار والتوافق الوطني من أجل الخروج من أزمة ملفها النووي فذلك أيضاً أمر لا يمكن للبنان وللعرب أن يقبلوه.
لا منطق يبرر لحزب الله أن يرفع صور قادة إيران في مدن لبنان وقراه ويقبل دعم طهران المالي خارج إطار مؤسسات الدولة في الوقت الذي ينتقص فيه من وطنية العرب وحقهم في الوقوف إلى جانب الشرعية اللبنانية.
ذلك أن لا هدف يُرتجى من تغييب الدور العربي عن لبنان سوى إبقائه ساحة للتوسعية الفارسية. والذي يعطي لإيران حق الدخول في كل تفاصيل الحياة اللبنانية لا يحق له أن يستكثر على العرب إعطاء رأي ناصح، على الأقل، حول ما يجري في لبنان.
يقف العرب إلى جانب نصرالله حين تحاربه إسرائيل. لكنهم لا يستطيعون أن يسكتوا على الانقلاب على شرعية لبنان من أجل دفع فواتير لسورية وإيران. فمحاربة إسرائيل شيء، وجعل راهن بلد عربي ومستقبله ورقة تفاوض في يد طهران أو بعثيي دمشق شيء آخر. ولا شيء يبرر لحزب الله أن يستمر في نهج تخوين معارضيه والاستقواء عليهم وافتراض حق احتكار الوطنية وإصدار أحكام التخوين. لا شيء، حتى تاريخه المقاوم، يبرر له أن يجعل مستقبل لبنان رهن أطماع فارس وأحقاد البعث.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد