طبيعي، بل ضروري، أن يتحرك الأردن بفاعلية لوقف نزف الدم الفلسطيني. فالتوتر السياسي بين فتح وحماس وصل منحدرات غير مسبوقة. وباتت الحرب الأهلية خطراً محدقاً بعد أن خُرِقت حرمة الدم الفلسطيني وسال الدم كثيفاً على يد الأشقاء. فما يهدد الفلسطينيين يهدد الأردن أيضاً. الأردن في واجهة الحراك السياسي لأن الأردن في واجهة الخطر.
جلالة الملك كان حذر مراراً من تبعات تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. ذلك أنّ إرهاصات استمرار التوتر تشكل أخطاراً سياسية وأمنية يمكن، إن تفاقمت، أن تقوض مشروع الدولة الفلسطينية وأن تُدخِل المنطقة برمتها في أتون فوضى وصراع لن يسلم منهما أحد.
الخطر الأمني باتت ملامحه مؤلمة أمس وأول من أمس حين وجه الفلسطينيون أسلحتهم إلى صدور بعضهم بعضاً. والخطر السياسي مكمنه إضاعة فرصة الإفادة من استعادة القضية الفلسطينية موقعها على سلم أولويات المجتمع الدولي بعد جهد أردني وعربي مكثف.
وفي الحالين، سيكون الشعب الفلسطيني هو الضحية. الاقتتال الداخلي سيضيف إلى معاناة الفلسطينيين معاناة أشد ألماً وأكبر خطراً. و"غياب الشريك الفلسطيني" سيبقي عملية السلام في حال الموت التي توفر لاسرائيل فرصة فرض حلولها الأحادية وقتل خيار الدولة الفلسطينية.
الوقت ليس في صالح الفلسطينيين. والتحرك الفوري لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني مسؤولية تاريخية على فتح وحماس والدول العربية.
هنا مكمن أهمية مبادرة حقن الدم الفلسطيني التي أطلقها جلالة الملك أمس. فالمبادرة توفر أرضية صلبة لحوار بين فتح وحماس يجب أن يسبقه قرار فوري بوقف التصعيد السياسي والأمني.
ولا شك أن نجاح الفلسطينيين في التوصل إلى صيغة تعيد ترتيب مؤسسات الحكم الفلسطينية سيفتح آفاق إحياء عملية السلام التي يجب أن تنتهي إلى قيام دولة فلسطينية لن يعرف الشرق الأوسط الاستقرار من دونها.
المطلوب من الفلسطينيين الاتفاق على حكومة تملك برنامجاً وطنياً واضحاً يشكل أساساً لاشتباك سياسي مع الاسرائيليين هدفه إنهاء الاحتلال وبناء الدولة.
بعد ذلك، تؤول المسؤولية إلى المجتمع الدولي الذي يجب أن يكثف جهوده لإيجاد حل دائم للصراع الفلسطيني- الاسرائيلي. وإشارة جلالة الملك أمس إلى أنه لن يكون هنالك شريك فلسطيني في المفاوضات من دون دعم جدي من اسرائيل والمجتمع الدولي تختصر حقيقة أثبت التاريخ صحتها.
غاب الشريك الفلسطيني سابقاً لأن اسرائيل غيّبته ولأن العالم تخلى عن مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني وقضية السلام في الشرق الأوسط.
لذلك كانت رسالة الملك واضحة إلى اولمرت أمس: احسم أمرك وتحرك بجدية تجاه السلام لأن الثمن سيكون غالياً على الاسرائيليين كما على الفلسطينيين وعلى شعوب المنطقة.
اتفاق الفلسطينيين على برنامج سياسي تحمله حكومة فلسطينية تحظى بدعم فتح وحماس سيضع الكرة في ملعب اسرائيل والمجتمع الدولي. وذلك إنجازٌ يستحق أن يقوم به المسؤولون الفلسطينيون حمايةً لحقوقهم الوطنية وواجباً تجاه شعبهم وتلقفاً لفرصة للتقدم نحو رفع الظلم عنهم سيكون من الصعب جداً استعادتها إن ضاعت.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد