كل الاختراعات تحدث تحولا في حياة البشر وآخرها الهاتف الخلوي الذي تجاوز تأثيره في حياتنا كل التوقعات. لكنّ ثمّة اختراعا تأخر أكثر مما يجب، وأعتقد أنه أهم اختراع يتوجب انجازه من أجل الانسانية الآن، وهو اختراع بديل لوسيلة النقل الرئيسية، كما نعرفها الآن، اعني السيارة. انه اختراع سيقلب حياة البشر في المدن، ويغيّر وجه المدن نفسها.
حين تكون في شارع عريض مزدحم بسيارات تتحرك ببطء في جو لاهب نافثة اطنان الغازات السامّة في هواء حار ورطب، يجب أن تستغرب كيف ان البشرية ما تزال تقبل العيش مع آلاف اطنان الحديد المتحركة حولها على مدار الساعة.. وكل يوم أتأمل الناس داخل عرباتهم التي تحمل في الغالب فردا واحدا، وأفكر كم هو لا عقلاني أن كائنا بوزن 80 كيلوغراما يجرّ معه اثنين طن من الحديد بما تحتاجه من الوقود لكي يتنقل هذا جنون! وأنا لا أحلم بل سيأتي وقت مقبل ينظر فيه الناس بثقافتهم الجديدة الى الخلف ويقولون؛ هل يعقل اننا كنّا نفعل بانفسنا هذا؟!
أعتقد أن مصالح صناعة السيارات والبترول التي تزدهر بلا انقطاع هي السبب وراء اهمال البحث عن بديل، فلا مصلحة في وسيلة نقل تقضي على اضخم صناعات العالم. والثمن ان المدن الكبرى التي تضم معظم سكان الأرض، وعمان اليوم واحدة منها، باتت مكانا لحياة موتورة ولاانسانية بكل معنى الكلمة.
فسكان المدن يعيشون حياة رديئة تضغط على اعصابهم، يعانون من ايقاع مرهق ويعانون من تلوث الهواء، والتلوث السمعي والتلوث البصري. ثمّة الكثير مما ينبغي عمله لتغيير الحياة في المدن وجعلها اكثر انسانية واقرب للفطرة البشرية، لكن أكبر وأهم تغيير يتيح الكثير من التغييرات الأخرى هو وسيلة النقل التي لم تتغير جوهريا منذ بداية القرن العشرين.
قبل ايام لحقت الدقيقة الأخيرة من برنامج عن اختراع وسيلة نقل بالغة الأناقة والعصرية هي صيغة وسط بين الدراجة النارية والسيارة بسعة مقعد واحد ينزلق قسمها الأمامي بعجل واحد على قسم خلفي بعجلين لتحقيق الثبات والأمان وأعتقد انها تعمل على بطارية ومزودة بتجهيزات الكترونية متقدمة.
تصوروا بدلا من السيارات الحالية في شوارع عمان تكون هناك آلات نقل صغيرة وخفيفة بسعة شخص واحد تعمل ببطارية كهرباء! ستصبح شوارعنا فسيحة جدا تكفي ومن دون صيانة وتوسعة لعشرات السنين القادمة بلا زحمة ولا اشارات ضوئية، وبحوادث ومخاوف أقل، ويمكن استغلال المساحات الزائدة للتخضير وتوفير خدمات أخرى، وسيصبح الهواء نقيا والمناخ أفضل، وسيكون لذلك تبعات كثيرة اخرى في تخطيط المدن وتوجيه الموارد.
إنّ انقلاباً جذرياً سيتحقق من أجل حياة افضل وأجمل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جميل النمري صحافة جريدة الغد