الأقليات في المجتمعات تشبه التطريز على الثوب، انها إثراء ثقافي وتنويع جميل يصح الزهو به، لكن الواقع غالبا ما يأتي بمردود مأساوي للتنوع الاثني أو الديني أو الطائفي، خصوصا حين يكون المجتمع مقسوما الى اقليات كبرى تتنافس على السلطة. والواقع أن مسيحيي العراق هم اقلية متواضعة خارج الصراع المحتدم بين الأطراف الرئيسية الثلاثة السنّية والشيعية والكردية، لكنهم أصبحوا في الموصل وبصورة غامضة ضحية مباشرة لهذا الصراع وتوجه اصابع الاتهام للطرف الكردي بأنه يريد تفريغ المناطق المحاذية له من التنوع لتصبح المنطقة الكردية موئل الاقليات.
لا نجزم بصحة هذه المقولات في سياق حرب الاتهامات المتبادلة بين الأطراف، وقد سبق للمسيحيين في بغداد ومختلف المناطق ان كانوا ضحية عمليات قتل وتهجير وتدمير للمحلات وهجومات على الكنائس والأديرة غالبا ما اتهمت بها القاعدة وشبيهاتها المسؤولة ايضا عن الهجمات الانتحارية والمجازر والتفجيرات الكارثية للمراقد الشيعية، مقابل عمليات الخطف والاعدام بدم بارد لمواطنين سنّة بمعدل الآلاف شهريا، والكثير من هذه الاعمال الدموية معروفة المصدر لكن الكثير ايضا يكتنفه الغموض؛ فالقتل في عراق ما بعد الاحتلال بات اداة يومية يمكن ارتكابها ببساطة لأي هدف عارض داخل الفئة نفسها أو خارجها، ومن المعروف ان بعض المجازر ضدّ الشيعة تتهم بها اختراقات موالية لإيران في صفوف مجموعات سنّية بما في ذلك القاعدة التي يجزم بعض المختصّين ان صلات خفية وجانبية ربطتها بإيران.
نعود الى موضوع مسيحيي الموصل لنقول ان ميزة أخرى تخصّهم وهي الأصول العرقية واللغوية الآثورية والكلدانية الضاربة في القدم بما يجعل الحفاظ على وجودهم وادامته ورعايته قضيّة وطنية مثل الحفاظ على أعرق المعالم التاريخية لبلاد الرافدين التي تزهو بخصوصيتها كموطن أقدم الحضارات البشرية وأقدم حروف للكتابة.
وهذه واحدة من خصوصيات بعض الاقليات في منطقتنا العربية، وخذ مثلا مسيحيي معلولة في سورية الذين ما يزالون يتكلمون الآرامية، ان الحفاظ على هذه المجموعة ولغتها يرقى الى مستوى الحفاظ على اعرق الموجودات الأثرية في سورية بل يفوقها اهمية فأي إرث ثمين ان تجد جماعة ما تزال تنطق باللغة السامية الأمّ وهي أصل اللهجات العامية العربية لبلاد الشام. والحال نفسه ينطبق على اقباط مصر الذين هم خصوصية مصرية مطلقة بين مسيحيي العالم.
لقد أثارت قضية مسيحيي الموصل موجة واسعة من الاستنكار في كل الأوساط وبادر كتاب اسلاميون خصوصا لإعلاء الصوت في صحفنا، لكن من يدري اذا كانت عقارب الساعة ستعود الى الوراء، فقد فرغ العراق تقريبا من مسيحييه والأقلية التي كانت جزءا من نهضة العراق الغالي باتت موزعة نهائيا ربما على بلدان المهجر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جميل النمري صحافة جريدة الغد