الخطابة فنٌّ جميلٌ من فنون لغة هذه الأمة العظيمة،وهي أسلوبٌ جماهيريٌّ يهدف لتوصيل رسالةٍ أو فكرةٍ بيسرٍ وسهولةٍ ،تأصيلاً لموقف أو تصحيحاً لمفهوم أو غرساً لمعتقد...والخطيب في تاريخنا داعية خير وصاحب رسالة أو مشروع يستهدف نهضة الأمة وتقدمها ، فهو الرائد والقائد والموجّه الذي تتطلع إليه العقول والقلوب فتسمع منه وتنهل من علمه وتستجيب لمطلبه في إحداث التغيير المنشود ، ولهذا شُرعت صلاة الجمعة وخُطبتها ،لتكون مدرسة أسبوعية يلتقي فيها القائد مع الشعب لتدارس هموم الوطن وقضاياه.

ومن هنا لا بدّ أن يكون الخطيب على كفاءة عالية من العلم وقوة الشخصية، وإدراك الواقع ،وعلى درجة راقية من الحكمة البليغة في التشخيص والمعالجة، وفهم الأولويات ،واستيعاب المستجدات ،وفي المقابل فإن الجاهل أعدى لأمته من أعدى أعدائها كما قال عباس العقاد ،وقد ذكر العلامة الشيخ محمد الغزالي عبارة في هذا المعنى :أن امتلاك الحياة عن قدرة وخبرة هو السبيل لنصرة المبادئ (السنة النبوية ،137 ) وأستشهدُ أيضا بمقولةٍ للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه (تعريف عام بدين الإسلام ): أن الأمة الإسلامية يجب أن تكون أقوى الأمم وأغنى الأمم وأعلم الأمم.

أقول هذا الكلام وأنا أرى الكثير من خطبائنا الذين يعتلون منابر رسول الله الطاهرة في يوم الجمعة المباركة ،عيد المسلمين الأسبوعي ،لا يراعون عظمة هذه الشعيرة وهذا اليوم وهذا التجمع الأسبوعي الكبير...فلا استعداد ولا اهتمام كما يجب،فبعضهم بلا هيئة تسرّ الناظرين ولا علم ولا فقه للواقع ومآلاته ــ إلا من رحم ربّك ــ بل خطبة ميكانيكية ،لا روح فيها ولا حياة ،ترى خطيباً وكأنه في معركةٍ مع أمته ،يناصر الواقع المريض ويخدّر الناس ويقنعهم بما قُسِم لهم ،ومع الأسف فإن الشيوعيين قديماً قالوا (الدين أفيون الشعوب ) فربما ينطبق هذا على نموذج هؤلاء الخطباء ،كما تجد خطيباً استغلّ كلّ مهاراته وأسلحته ليقنع الجمهور أن المطالبة بالإصلاح و التغيير إنما هي فتنة ومؤامرة وتخريب ،وبعض الخطباء يهاجم مطالب فئات مهنيّة (كالمعلّمين )هُمِّشت و ظُلمت وأُسيء لدورها.

وبعضهم يُخْمد مشاعر الناس وتطلّعاتهم للحرية والحياة الكريمة فيقول :انظروا مَن حولنا في الدول المجاورة :دماءٌ وقتلٌ وأشلاءٌ...ولو صدق هذا الخطيب مع جمهوره لقال :إن هذه الدول وصلت إلى ما وصلت إليه بسبب الظلم والاستبداد والاستعباد والفساد ،ولذا ينبغي علينا أن نبذل كل جهد حتى لا نصل إلى ما وصلوا إليْه.

ولا نستغرب أن كان بعض خطبائنا من هو خارج العصر تماماً ،فتسمع أحدهم يقول :( بلا فيس بوك بلا تيس بوك ) ولا غرابة إذاً أن نسمع بعض المصلّين يقول:لا يحلو له النوم والاسترخاء إلا في خطبة الجمعة ،لأنها خالية من الجذب والتشويق وملامسة نبض آلام و آمال الجماهير.

إن كثيراً من الخطباء مع الأسف هدفهم الارتزاق بالدين،والتزلّف ، وتجنّب اللأواء ،وإيثار السلامة والعافية ،بل إن بعضهم يُستخدم لقطع الطريق على دعاة البناء و الإصلاح والفكر المستنير.

فيا عجباً لخطباء أمتنا ،أمة (اقرأ) كيف خدّرهم الجبن والجهل؟ويا عجباً لخطباء القرآن ،الذين يقرأون (سورة الحديد)كيف أناخ بهم العجز والضعف؟ويا عجباً لخطباء (سورة العصر)كيف رضوا أن يكونوا خارج التاريخ و العصر؟ويا عجباً لخطباءٍ ينامون ويغطّون في سباتٍ ،وهم من أمة النور،وغيرهم أمم تستيقظ في الظلام...

ولكن مع كل ذلك ،لا نيْأس فنحن على موعدٍ مع فجر جديد ،وعهدٍ جديدٍ لأمتنا ينتصر فيه الخير ويُهزم فيه الشرّ والظلام ،وقل عسى أن يكون قريباً.

الدكتور فوزي زايد السعود


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية