هي الحكاية ذاتها. تمسّكٌ بأدوات سلطة بالية أثبت الدهر فشلها. ورفضٌ لولوج آفاق زمن لا مكان فيه إلا لبنى مؤسساتية تحرر الإنسان وترشّد الحكم وتعزز منظومته الديمقراطية مساءلةً وسيادةً للقانون وحريةً لوسائل الإعلام.
 الحكومة قدمت مشروع قانون للمطبوعات والنشر يتقنّع الحداثة ويبطن قيوداً تعيق حرية الصحافة. مجلس النواب أخذ أكثر من وقته في دراسة مشروع القانون. وحين أصدرت لجنته المعنية، وبعد طول انتظار، توصياتها حول التشريع المفترض أن يشكل نقلة لافتة على طريق تحرير الصحافة من القيود غير الدستورية التي كبلتها، أبقت على المادة التي تجيز الحبس في قضايا المطبوعات والنشر.
 تلك كارثة. بل مهزلة. وحجم هذه المهزلة يظهر بجلاء أوضح إذا ما استذكرنا أن جلالة الملك كان طالب علناً وصراحةً بإزالة عقوبة الحبس للصحافيين.
 لكن رغم الموقف المخيّب للجنة التوجيه الوطني في مجلس النواب، ما تزال الفرصة سانحة أمام المجلس لتصحيح خطيئة اللجنة الإبقاء على عقوبة الحبس في قضايا التعبير. إضاعة هذه الفرصة ستكون ضرراً بالأردن ومسيرته الديمقراطية، التي يشترط نجاحها وجود مؤسسات إعلام مهنية تعمل بحرية واستقلالية وحرفية. لكن احتمال موافقة مجلس النواب على مشروع القانون بصيغته المتخلفة الحالية وارد. فتاريخ مجلس النواب الرابع عشر في التعامل مع قضايا الحريات لا يبعث على التفاؤل. واحتمال تعديل الحكومة مشروع قانونها مستبعد حد الاستحالة.
 إقرار مشروع قانون المطبوعات والنشر بصيغته المقترحة سيرمي بالكرة إلى ملعب وسائل الإعلام. وسيكون على المؤسسات الصحافية والصحافيين الاستمرار في العمل على انتزاع حقهم في العمل بحرية واستقلالية ومهنية، إنفاذاً لواجبهم تجاه وطنهم وتلبيةً لحق دستوري كفل حرية التعبير وحق الناس في المعرفة. ولن يكون صعباً على وسائل الإعلام الأردنية كسب هذه المعركة إذا ما اعتمدت المهنية المبنية على التزام أخلاق المهنة وقواعدها سبيلاً لأخذ حقها الدستوري في العمل من دون قيود تنتمي إلى حقبة ما قبل الحداثة.
 الصحافة المهنية التي تعزز استقلاليتها وتبني صدقيتها من خلال التزام قواعد المهنة وواجبها المقدس تقديم الحقائق للقارئ والمشاهد قادرة على كسر كل القيود؛ تلك التي تفرضها الحكومات، وتلك التي يريدها نواب انطلاقاً من قراءة ضيقة وسلطوية لقواعد العمل العام.
 أبقت الحكومة ومجلس النواب سيف الحبس على رقاب الصحافيين. وثمة تلكؤ غير مبرر في إقرار حق الحصول على المعلومة الذي يوفر شروط مساءلة فاعلة للخدمة العامين (المسؤولين). لكن ذلك لن يوقف حركة التاريخ السائرة حتماً نحو تجسيد الحريات الصحافية ثابتاً في القانون والثقافة المجتمعية. وليس أمام الصحافة سوى تسريع هذه المسيرة من خلال رفع سوية أدائها المهني وبناء صدقيتها وتقديم منتج إعلامي يحظى باحترام الناس وتقديرهم. وحينذاك سيجد مجلس النواب والحكومة نفسيهما في مواجهة المجتمع إن حاولا حبس صحافي مارس حقه الدستوري في التعبير بحرية وواجبه المهني بنقل الحقائق إلى المواطنين.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد