لا مفاجآت في استراتيجية الرئيس الأميركي جورج بوش الجديدة نحو العراق. معظم ما فيها جاء منسجماً مع المواقف السابقة التي كانت أعلنتها الإدارة الأميركية. التغيرات البسيطة التي احتوت فرضتها اعتبارات سياسية لم يستطع الرئيس بوش إلا أن يتعامل معها. فشله في العراق كلفه ثمناً سياسياً باهظاً. استراتيجيته الجديدة محاولة لشراء الوقت.
قرار بوش زيادة عديد القوات الأميركية في العراق بحوالي 20 ألف جندي لن يحل المشكلة الأمنية. فلا حل عسكرياًً لدوامة العنف العراقية. طريق الحل تبدأ برؤية سياسية تستوعب أسباب التدهور الأمني وتفتح الباب أمام معادلة سياسية تقنع الأطراف العراقية بجدواها.
بيد أن تلك الرؤية كانت غائبة بشكل محبط عن الاستراتيجية الأميركية الجديدة. وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، عبرت عن فهم أعمق لأسباب استمرار محنة العراق حين ركزت في مؤتمرها الصحافي أمس على مركزية البعد السياسي في أي جهد لوقف دوامة العنف التي تعصف بالعراق.
رايس لفتت إلى ضرورة توسيع العملية السياسية بحيث تسمح بمشاركة أوسع لجميع مكونات الشعب العراقي. وفي تقويم صحيح للأوضاع، قالت رايس إن مشكلة بغداد هي أن شريحة من سكانها لا تثق بأن الحكومة تعمل لحمايتها وخدمة مصالحها. والمؤسف أن استراتيجية بوش لم تعكس حتى تقويم وزيرة خارجيته لأسباب الأزمة في العراق وسبل حلها.
انعدام الثقة بين مكونات الشعب العراقي زاد من الانقسامات الطائفية والعرقية. فشل الحكومات العراقية المتعاقبة في طمأنة العراقيين إلى أنها تعمل لخدمة المجتمع العراقي بكل مكوناته ومن دون تفرقة تعكس موازين القوى في النظام السياسي الجديد فاقم الأزمة ودفع العراقيين إلى التقوقع في هوياتهم المذهبية والعرقية.
ما يحتاجه العراق هو استعادة ثقة أبنائه بحكومته وبأن العراق الجديد وطن لا يميز بين سني وشيعي وكردي ومسيحي. وذلك هدف لا يتأتى من خلال ضخ المزيد من القوات العسكرية في خطوة منعزلة عن جهد سياسي يؤطر المسعى الأمني ويوظفه لتحقيق الأهداف الوطنية في تكريس العدالة والأمن والمساواة.
هذا الجهد غاب عن استراتيجية بوش. وهذا غياب يبرر التشاؤم من إمكانية نجاح خطة بوش الجديدة في مساعدة العراق استعادة أمنه واستقراره ولحمته.
مشكلة بوش أنه يرفض الاعتراف بأسباب العنف الدائر في العراق. صحيح أن الإرهاب حاضر يقتل الأبرياء في العراق. لكن المجموعات التكفيرية ليست وحدها مسؤولة عن استباحة أمن العراقيين. الميليشيات الممثل بعضها في العملية السياسية تقتل العراقيين على الهوية ايضاً. وبالطبع هنالك عنف سببه مقاومة مشروعة ترفض الاحتلال الاميركي.
الحل يكون بالتصدي للإرهاب ومواجهة الميليشيات في آن. لكن هذا الحل لن يكتمل إلا إذا فُتح حوار مع المقاومة المشروعة على أسس تحترم رفضها لوجود قوات احتلال في بلادها وتتفهم تحفظاتها على العملية السياسية التي تحتاج إلى تعديلات جوهرية في مسارها ومنطلقاتها لضمان نجاحها.
التصدي للإرهاب من دون كبح الميليشيات يبعث رسالة خطرة في المجتمع العراقي المشحون طائفياً. وكذلك التعامل مع المقاومة المشروعة على أنها إرهاب سيحبط أي جهد لإنقاذ العراق من محنته. هذا ما لم يفهمه بوش. وهذا ما يهدد راهن العراق ومستقبله.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد