لأهداف سياسية ومصالحية بعضها سيئ وبعضها الآخر لا غبار عليه، تتدفق مئات ملايين الدولارات إلى منطقة الشرق الأوسط. وتتسابق عشرات المؤسسات الغربية على أخذ "وكالة" إدارة التمويل الأجنبي الذي بات مصدراً رئيساً لإقامة المؤتمرات وإنتاج الدراسات ودعم مشاريع إعلامية وثقافية وسياسية.
تبحث هذه المؤسسات عن شركاء محليين. ولا يقل سباق مؤسسات محلية لتبوّؤ موقع الشريك في إنفاق التمويل الأجنبي حدّة عن نظيره بين المؤسسات الغربية في تنافسها على إدارة إنفاق المخصصات المالية لهذه الدولة أو تلك.
لا شك أن ثمة فوائد عديدة لتوفر مخصصات مالية لتمويل أبحاث ودراسات. فالتمويل العربي غائب. وثقافة المسؤولية المجتمعية غير موجودة في عالم العرب. وأحياناً كثيرة يوفر التمويل الأجنبي السبيل الوحيد لطرح قضايا مجتمعية وإطلاق نقاش ضروري حولها. لكن للتمويل الأجنبي سيئاته الكثيرة أيضاً. فقد يحمل خطر التسليم الفوري بكل الطروحات التي يحملها الممول والاستسلام لأولوياته من دون الالتفات للأولويات المحلية.
والخطر الأكبر مكمنه بروز "دكاكين" خاصة تعتمد وجودياً على توفر المال القادم من الغرب. فمن يملك المال يملك القرار. ومن يطلب المال يتبع قرار صاحبه، أو يسعى، حتى ولو على حساب الحقيقة والمصلحة العامة، إلى الانسجام مع طروحاته وفرضياته وفهمه.
لا اعتراض على التمويل الأجنبي من حيث المبدأ. لكن مسؤولية الدولة أن تنظم تدفق المال الغربي وأوجه إنفاقه في إطار منظومة قانونية واضحة، خصوصاً إذا استهدفت بعض الدكاكين الخاصة المتعاملة به الربح المالي حصراً.
ضروري أن تشرّع الدولة قانوناً لا يحصر تلقي التمويل الأجنبي في مؤسسات غير ربحية وليست ذات ملكيات فردية فقط،بل يخضع هذه المؤسسات لعملية مساءلة دقيقة وشفافة. فلا يجوز أن يظل التمويل الأجنبي، خصوصاً في قطاع الإعلام، متحرراً من الرقابة المالية التي تُفرض على كل عمل آخر. تلك مسؤولية يجب أن تقوم بها الحكومة.
مكمن الخطر في فتح أبواب الإفادة الشخصية من التمويل الأجنبي هو ارتهان طالبي الربح لأجندة الممول أو لفهمه المغلوط لراهن البلد وأولوياته. وثمة خطر آخر يكمن في تشويه مديري قنوات الدعم الأجنبي المحليين المخصصات المالية تجاه نشاطات تعظّم ربحهم حتى لو كان ذلك على حساب الاحتياجات الحقيقية للبلد. وكثيرون هم من شوّهوا صورة الواقع ليكيّفوه مع فرضيات الممولين حتى يُبقوا ضخ المال مستمراً.
لا ضرر في التمويل الأجنبي إذا لم يتحوّل إلى تجارة وإن استُعمل لخدمة مصالح البلد. وتحقيق ذلك شرطه حصر التعامل مع التمويل الأجنبي في منظمات غير ربحية وذات ملكيات غير فردية وفرض رقابة قانونية صارمة تعتمد أنظمة محاسبية علمية تُظهر أين أُنفق كل دولار أو يورو جاء من الخارج.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد