قتال بين رفاق النضال يستعر في غزة. جثث مجهولة الهوية تتكدس في مشرحة بغداد. ثقافة رفضوية تدمر لبنان.
عرب يموتون على أيدي عرب. أوطان عربية تنزف كي يشفى وطن فارس. شعوب عربية تعيش الذل كي تظل بعض أنظمة تنعم وراء جدران قلاع تمتزج فيها رائحة القمع برائحة الخوف.
قليلون هم الذين يحاولون وقف هذا الموت. لكن أصواتهم غير مسموعة. لغة العقل غُيّبت. منطق الجهل يسود. ثقافة الموت دفنت ثقافة الحياة. الغوغائية باتت وطنية. العقل صار خيانة.
تشوهت المفاهيم. صار من يقمع شعبه وطنياً. بات من يخرب لبنان لتعمر طهران قومياً. وصار من سرق حرية دمشق وحضارة دمشق مقاوماً.
نلعن إسرائيل. ونحن في ذلك محقون. فإسرائيل احتلت وشردت وقهرت. وما تزال. ونكره أميركا. ونحن في ذلك أيضاً محقون. واشنطن ساندت المحتل واستباحت بلاد العرب. ونرفض تغوّل إيران في بلاد الرافدين ولبنان وسورية. وذلك حق وضرورة أيضاً. فإيران تلعب بالعراق وتدفع لبنان إلى الهاوية وتحيل سورية ساحة نفوذ.
لكن اللوم يجب أن يستهدف قصور العرب وعجزهم أيضاً. والغضب يجب أن ينصب على فشل عربي في وقف الانحدار إلى قيعان البدائية السياسية والإنسانية والقيمية.
العرب وحدهم يتحملون مسؤولية الإخفاق الكارثي في بناء أنظمة ديمقراطية تعظم الإنجاز وتحفظ الحقوق. وهم الذين قبلوا التشوه القيمي الذي قلب المفاهيم وأسقط المنطق.
أميركا تدفعها مصالحها. وكذلك إسرائيل المبني وجودها على العنصرية. وإيران لا ترى في عالم العرب إلا منطقة نفوذ وأدوات تفاوض.
بيد أن لا مبرر لاستكانة العرب إلى حال العقم التي صاروا. ليس للإصلاح بديل. وجوانب هذا الإصلاح كثيرة، سياسية واقتصادية وحكومية. لكن الأساس يبقى قيمياً ثقافياً. فالديمقراطية ثقافة. والحرية ثقافة. والنصر ثقافة. والحياة ثقافة.
لن يفلح العرب إذا ظلوا في حال طلاق مع العقل. والمستقبل أسوأ إن استمر الانحدار الفكري القيمي. ثمة حاجة خانقة لحركة نهضوية استنارية جديدة تنقي المنظومة القيمية من التشويه الجذري الذي أنهكها. هنالك ضرورة لتطهير الثقافة الجمعية من اللامنطق الذي تمكنها كما يُنقّى الماء من شوائبه.
حينذاك يستعيد العرب رمق الحياة والقدرة على حمايتها وتطويرها. ووقتذاك لن يستطيع أن يلغي حاكم شعبه أو يبيع زعيم وطنه تحت غطاء شعاراتية خشبية تدعي البعث وهي أداة موت وتتقنع الممانعة وهي لا تمانع إلا في احترام حق الناس في الحرية والحياة.
التحرير يبدأ في الداخل. تحرير من استبداد سياسي، وتخلف فكري، وديكتاتورية ثقافية، وقداسات زائفة، وثقافة موت لا تريد للفرح في عالم العرب مكاناً.
بعد ذاك تسهل المعركة في وجه إسرائيل وأميركا. وإذّاك تتيسر أدوات وقف المد الفارسي. وفقط حينذاك تبدأ حقبة البناء العربي. لكنه بناء لن يرتفع إلا إذا كان العقل محرك بنائه. فالعقل وحده يحصن عالم العرب ضد الطبائع الاستبدادية، والنزعات الإلغائية، والهرطقات الشعاراتية، والقداسات الوهمية. والعقل وحده يحميه من الأطماع الخارجية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد