يقول رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إن أساس خطته الأمنية الجديدة هو اعتماد "مبدأ المساواة بين جميع العراقيين من دون تمييز". ويعتبر أن حكومته قطعت أشواطاً طويلة في مشروع المصالحة الوطنية الذي بات واضحاً، حتى لأميركا، أن لا استعادة لاستقرار العراق من دون إنجازه.
لا غبار على الكلام النظري للمالكي. فمحاججته مقنعة. فالشعور بالغبن، والخوف من مأسسته في النظام العراقي الجديد، مسؤول لحد بعيد عن الأزمة السياسية التي يعيشها البلد.
بيد أن المشكلة في التطبيق. والتحدي الأكبر الذي يواجه المالكي هو تحقيق العدالة بين جميع العراقيين بعد أكثر من ثلاث سنوات من انهيار ديكتاتورية صدام وبدء حقبة الفوضى والضياع الأميركية.
ويزداد هذا التحدي تعقيداً في ضوء تجذر حال انعدام الثقة بين مكونات الشعب العراقي، الذين تدهورت علاقاتهم بعضاً ببعض إلى نقطة المعادلة الصفرية حيث يرى كل فريق في مكتسبات الآخر خسارة له.
تحقيق العدالة في العراق يتطلب، شرطاً، إعادة النظر في العملية السياسية. فالحل في العراق سياسيٌ وليس أمنياً. وهذا يعني أن لا بديل للعملية السياسية سبيلاً لإنقاذ العراق. لكن التشوهات التي لحقت بهذه العملية وما ولدته من انقسامات وظلم يجعل إعادة ترتيب منهجياتها ومنطلقاتها المدخل الوحيد لإقناع كل العراقيين بجدواها.
ولا استهانة في صعوبة الوصول إلى هذه الغاية. فالمعادلة السياسية العراقية أسيرة توازنات سياسية دقيقة وهشة. ولعل المالكي يعرف ذلك أكثر من غيره. فبعض ميليشيات القتل مرتبطة بتنظيمات سياسية ممثلة في الحكومة. ويعتمد الائتلاف الحاكم على أصواتها للحفاظ على الأكثرية في البرلمان. والسؤال الملح هو هل يملك المالكي الإرادة والقدرة على مواجهة هذه الميليشيات رغم الكلفة السياسية الباهظة التي سيدفعها ثمناً لذلك؟
الجواب يعتمد على نظرة المالكي إلى موقعه. فإذا كان رئيس الوزراء العراقي يرى نفسه سياسياً محكوماً بمصالح حزب معين ومستهدِفاً تعظيم مكتسباته الآنية، سيكون من المستحيل عليه تطبيق خطته الأمنية كما شرحها.
والسبب أن ثمن التزام كل أهداف الخطة الأمنية قد يكون خسارته رئاسة الحكومة. وربما، أيضاً، الدخول في مواجهات مع حلفاء في الائتلاف العراقي الموحد.
أما إذا كان المالكي يدرك أن مرد ما يعاني العراق من قتل ودمار هو الفشل في تجاوز الاعتبارات المكتسباتية السياسية الآنية، فلا شك أنه سيولج طريق تطهير العملية السياسية التي لا بديل عنها للوصول إلى عراق ديمقراطي آمن مستقر.
وصل الوضع في العراق حالاً من التدهور لا يمكن لسياسيين أن يعالجوه. ما يحتاجه العراق هو إنتاج رجال دولة يتوحدون في تيار وطني جامع يتجاوز الولاءات الضيقة ومطامع السياسيين ويعي أن العراق إما أن يكون آمناً لكل أبنائه وإما أن يتدحرج أعمق في منزلقات الفرقة والحرب الأهلية التي أرهقته وأحالته مرتعاً لميليشيات تقتل على الهوية وإرهابيين أسقطوا كل الحرمات.
فشلت العملية السياسية في إنتاج تيار وطني عراقي جامع يؤمن أن العراق لن يكون آمناً إلا إذا كان آمناً لكل أهله ومنصفاً لكل مكوناته. تلك هي معضلة العراق التي يجب أن يسعى المالكي لمعالجتها إذا أراد لخطته الأمنية أن تنجح في إنقاذ بلده.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد