يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل في مكة الثلاثاء المقبل. لن يكون اللقاء عادياً. ولا يجوز أن يكون. ليس لأن عباس ومشعل يريدانه كذلك. بل لأن الشعب الفلسطيني يستحق جهداً استثنائياً لمساعدته بعد أن دفع بالدم ثمن صراع فتح وحماس.
حوالي 25 قتيلاً حصيلة اقتتال الأشقاء في غزة في 24 ساعة. عار يفرض على من يتحملون مسؤولية قيادة النضال الفلسطيني الخجل من كل ما يفعلونه ويستدعي مراجعة جادة قاسية لكل ما يجري في المشهد السياسي الفلسطيني.
 يتحمل عباس جزءاً من مسؤولية المعاناة الجديدة التي تفرضها القيادات الفلسطينية على شعبها. وكذلك يتحمل مشعل وزر إسالة الدم الفلسطيني في أزقة غزة وشوارعها. فتح أخطأت حين فشلت في إعادة بناء ذاتها وإنتاج قياداتها. وحماس أخطأت أكثر حين خلطت العقائدية في السياسة وألقى بعض قياداتها قراره في حضن النظام الإيراني. والضحية هي الشعب الفلسطيني الذي يعاني الأمرّين تحت سندان الهمجية الإسرائيلية ومطرقة التخبط الفلسطيني. وتلك حال لا يجوز أن تدوم. إسرائيل هي المستفيد الوحيد من إغراق الفلسطينيين في اقتتال داخلي. وكلما تأخر الفلسطينيون في إعادة ترتيب بيتهم، تراجعت فرصة تلبية حقهم المشروع في إقامة الدولة المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني.
فبينما تحيل فتح وحماس شوارع غزة ساحة حرب أهلية، تغيّر إسرائيل الحقائق على الأرض. تبني المستوطنات. تصادر الأراضي. وتتهرب من تنفيذ التزاماتها الدولية تحت ذريعة غياب الشريك الفلسطيني.
 ذلك ما يجب أن يدركه عباس ويعيه مشعل. وعلى فتح وحماس اتخاذ خطوات فورية للملمة الأوضاع وإعادة ترتيب البنية السياسية الفلسطينية.
يحتاج عباس أن يعيد بناء صدقية السلطة الفلسطينية. ولا نقاش في أن نتائج الانتخابات التشريعية كانت رسالة قاسية أن الفلسطينيين فقدوا الثقة بقيادات عديدة في فتح. كان الشعور الفلسطيني وقتذاك أن السلطة وعدتهم حكماً رشيداً واستعادة للحقوق. لم تستطع أن تعيد الحقوق لأن إسرائيل قتلت وعد السلام. لكنها لم تعطِ الفلسطينيين حقهم في الحكم الرشيد لأنها عجزت عن بناء نظام حكم ديمقراطي عادل شفاف. عاقبها الفلسطينيون بالتصويت لحماس.
 تسلمت حماس دفة الحكم. رفضها العالم. عاقبها وعاقب الشعب الفلسطيني معها. وبذلك أضاع المجتمع الدولي فرصة إشراك حماس بمسؤولية في العملية السياسية. لكن حماس عجزت عن إدارة لعبة السياسة. ووضعت نفسها حيث أرادتها أميركا وإسرائيل. أبقت على خطاب الحد الأقصى في راهن لا يسمح بذلك، لا سياسياً ولا عسكرياً. هذا الخطاب ممكن في ساحات المقاومة. لكن ثمنه كبير في متاهات السياسة. وبدلاً من أن تركز حماس جهودها على كيفية مساعدة شعبها، صار الحكم الأولوية. انحصرت قراراتها في إطار ردة الفعل. ضاعت البوصلة، ووقع بعض قياداتها في فخ إيران التي وفرت لها حماس مقعداً على طاولة إدارة الصراع العربي-الإسرائيلي. خسر الفلسطينيون. خسرت حماس. ربحت إيران. وربحت إسرائيل.
الخسارة الجسيمة للفلسطينيين، لا الحسابات الحزبية، يجب أن تكون حاضرة في لقاء عباس-مشعل. فرغم كل الخلافات بين فتح وحماس، انطلقت الحركتان لتحرير فلسطين وبناء الدولة الفلسطينية. هذا الهدف، إضافة إلى أولوية وقف الانحدار نحو الحرب الأهلية، كافٍ لإيجاد نقطة التقاء بين فتح وحماس يعاد على أساسها ترتيب ادوات الحكم الفلسطيني. لكن شرط ذلك ان يملك عباس القدرة على مواجهة قوى تقليدية تعيق الإصلاح في فتح، وأن يكون بمقدرة مشعل التحرر من إرادة طهران التي ترى في تفجر الوضع الفلسطيني مصلحة ستكون ورقة ضغط إضافية بيدها في مواجهتها مع المجتمع الدولي.
 النجاح في إنهاء تخبط القيادة الفلسطينية سيوفر أدوات دفع أساس لاستعادة الجهد السياسي لإنصاف الفلسطينيين زخمه، خصوصاً أن القضية الفلسطينية استردت حضورها في الأولويات الأميركية والدولية. أما الفشل فسيضيّع هذه الفرصة التي قد يعز تكرارها. النجاح يريده الفلسطينيون ويريده العرب. والفشل تريده إسرائيل وتطلبه إيران وحلفاؤها. وسيأتي من مكة بعد أيام الجواب عن أي الإرادتين ستنتصر: إرادة الشعب الفلسطيني أم إرادة إسرائيل وإيران.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد