أعتذر للقراء عن غيابي يومين، فقد تهت بحثا عن.. شيء لم أعد حتّى اتذكره الآن. وهذا يحدث أحيانا، لكنني تعجبت من مهنة تخيلتها لي كساعي بريد يأخذ جميع الرسائل، ثم يجملها في واحدة يرسلها لعموم الناس، ويعتقد أن كل واحد يقرأ فيها رسالته التي يريد.
هل هذا ما يسمّونه القراءة بين السطور؟ ويصدف أن تصل وتجد الباب موصدا، فتعود ادراجك بشيء من اللامبالاة، اذ لا ينبغي أخذ الأمور بجدية. والحق أنني لست واثقا أنني لا أفعل العكس. لكن الأكيد انني لا آخذ على محمل الجدّ الكثير من الأشخاص، وللبواب مهنة خطيرة أو تافهة، لكن من قال أنني أريد المرور، أنا أتجول لقتل الفراغ فقط، وحتّى هذا الادعاء ليس موثوقا.
ثم حذارِ حذارِ من الانحدار إلى الأدب الرمزي المثير للشفقة، حين يكون الصراخ المتاح بأعلى صوت يزعج الآذان فقط. المعاناة الحقيقية هي حصرا في البحث عن شيء لم يعفُ عليه الزمن، أهمل التفاصيل كثيرا ثم أجد علقا قد علق بيدي وأتضايق ولا أشكو وأنا أحسّ بطفيليات تطفو تحت انفي وأنذهل من احتمال حقيقي للاختناق بطوفان عارض من التفاهة. وأتوقع لكل شيء أن يختفي وتردّ الأمور إلى أصولها. فالموقف لم يعد جدّيا بالمرّة، وأنا اقبل التراخي، لعلي أقصد التداعي الاجمالي في المشهد، لكن يجب الاحتفاظ بشيء من اللياقة.
طرأ على خاطري بيت المتنبي "نامت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمن وما تفنى العناقيد"، وهو غير ذي صلة سوى بإيقاع الأسى فيه. ثم إن الثعالب كائنات ضخمة للغاية قياسا بما تتعثر به قدماي، ولا قتال على ما يتوجب الاقتيات به. إنها فقط تلك اللزوجة التي لا تطاق، وأنا لا ألبس بسطارا مصمما للمشي في الطين، وأحلم برصيف نظيف، آه على رصيف نظيف ومقهى طريق ورفيق أنيق.
كيف حدث أنني أكتب هذا؟ وتذكرت الآن أنني أريد الذهاب هذا المساء الى أربعينية الكاتب الساخر محمد طمليه، كيف حدث أن يقع له شيء بهذه الجدّية الماحقة أقصد الموت. لكنّي تذكرت أيضا انني التزمت بإدارة ندوة في الموعد نفسه حول "التنمية السياسية"، تحت إلحاح شديد من شباب، وأنا أتثاءب سلفا.
ما أحبّه هو الذهاب الى طمليه، وما سأفعله هو الذهاب لإدارة ندوة. هكذا بالضبط تُهدر الحياة على ما يجب، وليس على ما أريد.
اللعنة لن أراجع ما كتبت.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد