يستطيع الحزب الديمقراطي الأمريكي ان يفخر بأنه اجترح فعلا تاريخيا مذهلا بكل المعايير، فالمبادئ والأفكار الأكثر تحررا وتقدما وإنسانية و"مثالية" تمكن الحزب بضربة واحدة من تطبيقها على الأرض، وأصبحت قيم المساواة وتكافؤ الفرص وعدم التمييز وفق العرق أو اللون أو المنبت متحققة ومباشرة بحمل مرشح اسود وابن مهاجر كيني مسلم إلى اكبر منصب في الولايات المتحدة والعالم.
الماكنة الهائلة التي عبّأت عشرات الآلاف من الشباب وحركت حماس الملايين من البيض والسود حول هدف ومثال خارق، أعادت الاعتبار لدور الحزب ومكانته في العمل السياسي، ليس في الواقع الأميركي فقط بل في هذه المرحلة من التاريخ السياسي عموما.
يردد سياسيون وأكاديميون  عبارة محفوظة "لا ديمقراطية بلا أحزاب سياسية"؛ لكني أنا الذي دافعت بلا كلل عن "التنمية الحزبية" وصرفت ما لا يحسب من الوقت والجهد على العمل الحزبي لم تكن تعجبني تلك العبارة القاطعة كمعطى محسوم، ولطالما تساءلت في داخلي  ما إذا كانت الحياة يمكن أن تعطي صيغة للديمقراطية (وأقصد ديمقراطية حقيقية) لا تقوم على الأحزاب السياسية كقناة للتمثيل والمشاركة؟! الأنظمة السياسية-الاجتماعية لا تولد في المختبرات وفق نماذج معدّة سلفا بل تنتجها الحياة العملية، وحتّى الآن فالبشرية لم تجترح صيغة أخرى مع أننا يجب أن نقبل نظريا أية احتمالات اخرى.
ما يجب التنبه إليه أن فكرة الحزب السياسي تعدلت وتتعدل مع الزمن، وهي في الولايات المتحدة الآن بعيدة تماما عن فكرة الحزب كعصبة منضبطة لأيدولوجيا ومبادئ  وقيادة، الحزب هناك هو صيغة لتصفية الترشيحات للمناصب بإدارة ذاتية، وصيغة لجمع وجهات النظر تدريجيا لتصل إلى وجهتي نظر رئيستين.
 ولذلك.. وأرجو هنا أن يركز معي المعنيون بالعمل السياسي.. لا يشارك في اختيار مرشح الحزب الديمقراطي لمنصب ما "أعضاء" الحزب فقط بل عموم ناخبي الحزب. ومن هم ناخبو الحزب؟ انهم كل الأفراد الذين يلبون النداء للذهاب في ذلك اليوم إلى المقر المعلن لاختيار من يكون مرشح الحزب للانتخابات من بين عدّة طامحين، انتخابات العمدة أو السناتور أو حاكم الولاية . .الخ.
ولذلك قبل أن يصل المرشح إلى المنافسة النهائية يكون قد نضج على نار أكثر من اختبار أمام العموم، ويكون الحزب في الواقع ومن خلال مرشحيه المتنافسين فيما بينهم قد نشر أفكاره بتدرج تلاوينها وعبّأ أوسع قاعدة شعبية وأشركها في الخيار.
بتوفر هذه الصيغة الديناميكية أمكن للحزب أن يستعيد حيويته في لحظة تاريخية مناسبة نشد فيها الأميركيون التغيير وعثر الحزب على الشخص المناسب للدور فأعطاه الماكنة الضخمة للعمل وحصل على القيادة الكاريزمية التي تغربلت عبر المواجهة مع عشرات المنافسين.
نموذج ملهم أليس كذلك؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد