يختتم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جولته الشرق أوسطية في عمان التي وصلها أمس. زيارة الزعيم الروسي أحيطت بالكثير من التوقعات والتساؤلات. بعض هذه أطلقها بوتين نفسه بتصريحات نارية حول أثر استفراد الولايات المتحدة بالقرار الدولي نتيجةً حتمية لتحولها القوة العظمى الوحيدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لكن بعضاً آخر انتجه حنين إلى حقبة كان الدب الروسي المتزعم للاتحاد السوفييتي يكبح خلالها جماح واشنطن.
وجود الاتحاد السوفييتي، بكل علاته، خلق توازناً كان، ويظل، ضرورياً في العلاقات الدولية. ورغم كل ما رافق حقبة ثنائية القطبية الدولية من تشنج وتجاذبات، أدت السرعة التي انهار فيها الاتحاد السوفييتي إلى خلل دفع العالم، وخصوصاً الثالث منه، ثمنه.
فالنتيجة الأولى، والأكثر ضرراً، لبروز الولايات المتحدة قوةً لا رادع لها في العالم هي احتكار واشنطن قدرة التأثير على القرار الدولي وامتلاكها إمكانية فرض سياساتها على الساحة الدولية.
وفي مفارقة مؤذية، صارت أميركا، التي قامت على المبادئ الديمقراطية، ديكتاتورة العالم. في واشنطن، تخضع الحكومة الأميركية للمساءلة أمام مؤسسات ديمقراطية وثقافة مجتمعية تحميها. لكن في الساحة الدولية، استفردت واشنطن بالقرار. تجاوزت الأمم المتحدة، وضربت بعرض الحائط آراء الدول الأخرى ومواقفها حين اعترضت هذه على توصيات واشنطن.
شنت أميركا الحرب على العراق رغم أنف الأمم المتحدة. وأدارت الحرب على الإرهاب وفق معاييرها ورؤاها. لا أحد قادر على التصدي لأميركا. ومن يفعل يدفع الثمن غالياً. حتى فرنسا صارت جزءاً من "أوروبا العجوز" حين تجرأت أن تنتقد القرار الأميركي غزو العراق.
انهيار الاتحاد السوفييتي أحدث فراغاً في العلاقات الدولية جيّرته واشنطن لصالحها. تملك واشنطن القوة العسكرية والاقتصادية. ومن خلالها تفرض سياساتها على العالم.
الآن يتحدث بوتين عن هذا الخلل.
تصريحاته حادة. لكنه لن يكون قادراً على فرض بلاده نداً لواشنطن. روسيا ليست الاتحاد السوفييتي. وظروف العام السابع من القرن الواحد والعشرين مختلفة عن أجواء ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وتوازنات تلك المرحلة.
روسيا دولة تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة وترزح تحت وطأة ديون ضخمة. قدرتها على تحدي واشنطن محدودة. وفرص استعادة موقع القوة العظمى ضئيلة، على الأقل لسنوات قادمة.
تظل روسيا دولة كبيرة. وزنها السكاني يؤهلها أن تعيد تأهيل قدراتها. وكذلك إرثها الثقافي والعلمي وثرواتها الطبيعية. بيد أن التحديات التي تواجهها ضخمة أيضاً. تجاوز هذه التحديات سيستغرق وقتاً طويلاً وعملية إعادة بناء صعبة لن تستطيع ثقة بوتين اختزال السنوات التي تحتاجها.
والحال كهذه، لن يستطيع بوتين انتزاع دور مؤثر لبلاده في قضايا الشرق الأوسط. وسيظل دور روسيا في القضية الأساس في المنطقة، الصراع العربي-الإسرائيلي، وفي العراق محدوداً. فواشنطن تعتبر الملفين أولوية لها. ولن تسمح لأحد أن يطور دوراً فارقاً في إدارتهما. وروسيا، وقت الجد، لن تكون قادرة، أو راغبة، في تحدي أميركا.
لكن بإمكان موسكو أن تطور علاقاتها الثنائية مع بلدان المنطقة. وهذا منحى فرص النجاح فيه كبيرة. الرغبة موجودة. وكذلك الحاجة والقدرة. ومن السهل جداً أن يتمخض عن زيارة بوتين اتفاقات وقرارات يمكن أن تعمّق التعاون بين دول المنطقة وروسيا.
في غير هذا البعد، الزمن عصر أميركا. ولن تغير صلابة بوتين وحنين البعض إلى ماضٍ مختلف ذلك. سيبقى العالم يدفع ثمن الأحادية الأميركية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد