جريمة جديدة في لبنان. رسالة دموية أخرى يتلقاها اللبنانيون عشية يوم أراده أكثريتهم وقفة للتصالح وتجاوز الفتنة التي يُدفعون إلى أتونها لإشباع انتقامية "شقيق" وتحسين شروط التفاوض لـ"شقيق" آخر اختار أن يواجه العالم بدماء اللبنانيين ومصالح العرب.
الرسالة واضحة. لن يهنأ اللبنانيون بالأمن والاستقرار إذا أصروا على محاسبة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. توقيت الرسالة يعكس همجية القتلة وعمق حقدهم على لبنان. وهدفها ترهيب الناس كي لا يشاركوا في إحياء الذكرى الثانية لاغتيال الحريري. فالرابع عشر من شباط موعد لتأكيد التمسك بحق لبنان في استقلاله وسيادته وأمنه ومحاكمة من قتل ودمّر وفتن ليسلبه كل ذلك.
ذلك موعد أراد المتخوفون من المحكمة الدولية والمستفيدون من انهيار لبنان أن يلغوه. فجروا الحافلتين في بلدة عين علق في منطقة المتن اللبنانية ليحولوا دون إحياء الذكرى، وليذكروا أنصار الاستقلال اللبناني أنّ ثمن الاستمرار في طلب المحكمة الدولية سيكون المزيد من القتل والفوضى.
بيد أن الواضح من مواقف قوى الأكثرية في لبنان أنّ تمسكهم بحق اللبنانيين في العدالة لن تزحزحه قنبلة موقوتة. صمدوا في السابق. وسيصمدون الآن. وذلك صمود هو أقل الوفاء للحريري وسمير قصير وجبران تويني وجورج حاوي وبيار الجميل وغيرهم من شهداء الربيع اللبناني.
لكن حماية لبنان من المصير المشؤوم الذي تحاول إسرائيل وإيران والنظام السوري فرضه على اللبنانيين يتطلب تقديم كل اللبنانيين وطنهم ومواطنهم على كل ولاء أو تبعية خارجية. لا سبيل آخر لإنقاذ لبنان. اتفاق بين جميع شركاء الوطن على أسس تحفظ استقلال البلد وسيادته وتعدديته وهويته الحضارية التي لم تستطع السنون أو الحروب أو الوصاية الغاءها.
جريمة أمس جرس إنذار جديد أنّ طريق الفرقة التي يدفع البعض البلد نحوها ستنتهي دماراً على الجميع. وعلى حزب الله ومن تبعه من قوى المعارضة إدراك أن المحكمة الدولية مصلحة لهم لأنّ العدالة التي ستحقق ستكون مدماكا رئيساً في عملية إعادة بناء وطنٍ هم فيه شركاء وغيرهم ممن حالفوهم يعتبرونه أداة، لا أكثر ولا أقل.
يقول حزب الله إنه يريد صالح لبنان. أين التعارض بين المحكمة الدولية وهذا الصالح؟ تعطيل المحكمة ضرر بلبنان وسلمه. ورهن البلاد لقرارات دمشق وطهران سبيل لا يقود إلا إلى المزيد من المآسي. وتلك مآسٍ سيعاني حزب الله ومن يمثل ويلاتها كما كل اللبنانيين. أما القوى الإقليمية التي تتلاعب بلبنان ودماء أبنائه فستترك لبنان لهذه الويلات متى شاءت.
بإمكان حزب الله أن يغيّر المصير المشؤوم الذي بات أقرب إلى المحتوم إن ظل التوتر يتمكن لبنان. وهذا تغيير لا يتطلب من الحزب إلا أن يوافق على المحكمة الدولية مدخلاً للمشاركة في الحكومة وأن يقدّم لبنانيته على خمينيته ويتحرر من شباك انتقامية النظام السوري.
واليوم، ذكرى اغتيال الحريري، وبينما يتعايش اللبنانيون مع تداعيات الإرهاب الذي ضربهم أمس مجدداً، يمكن لحزب الله أن يتخذ قراره تغيير مسار التاريخ اللبناني. آن وقت وقفة مراجعة حصادها يجب أن يكون قراراً لحزب الله بالمشاركة في حماية لبنان وتحصينه ضد استغلال "الأشقاء". وذلك طريقه الموافقة على المحكمة الدولية والتوافق على حكومة وحدة وطنية تحمي دماء اللبنانيين وسيادة لبنان وتحفظه وطناً لأهله، لا ساحة لوصاية البعث السوري والتوسعية الفارسية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد