يتوقف الصحافيون عن العمل اليوم لمدة ساعة احتجاجاً على إبقاء لجنة التوجيه الوطني في مجلس النواب عقوبة الحبس في قضايا المطبوعات والنشر. المراد من هذا الاحتجاج بعث رسالة إلى مجلس النواب أن الصحافة ترفض العمل داخل قيود القمع والمحاصرة التي يحتويها مشروع قانون المطبوعات والنشر الجديد.
لكن لا يبدو أن اعضاء اللجنة النيابية سيتفاعلون مع الرسالة. نادى الصحافيون طويلاً مجلس النواب أن يمارس دوره تنفيذ الدستور والانحياز للديمقراطية. غير أنه، وللأسف، لا حياة لمن تنادي.
كانت اللجنة النيابية أوصت سابقاً الإبقاء على عقوبتي التوقيف والحبس في قضايا المطبوعات. ردة الفعل السلبية على موقفها دفعتها إلى إعادة دراسة مشروع القانون. وبعد أسابيع من النقاش الذي استثنيت منه نقابة الصحفيين، ألغت اللجنة عقوبة التوقيف وأبقت على عقوبة الحبس.
كأن اللجنة لا تعرف تاريخ المملكة. لا يحبس صحافي في قضايا نشر في الأردن. إبقاء سيف هذه العقوبة مرفوعا فوق رؤوس الصحافيين إساءة مجانية للبلد. عقوبة لا تمارس. تهديد بقمع يرفضه العالم. ومع ذلك تصر اللجنة على تضمينها مشروع القانون. تجلٍّ عبثي للامنطق لا يفهم.
وكأن اللجنة النيابية الموقرة لا تتابع ما يجري حولها في العالم. الدنيا تغيرت. محاولة السيطرة على الصحافة وقمعها حرث في ماء. هذا عصر الانترنت والهواتف المتلفزة. من يحارب الإعلام الحر يقف في مواجهة أمواج عاتية ستغرقه. للسادة النواب أن يغرقوا إن شاءوا. بيد أنه لا يحق لهم إغراق الأردن.
جلالة الملك يقول لا لحبس الصحافي. قالها قبل سنوات. كرر موقفه حين رأى أن بعضاً ما يزال يصر على العيش في ظلمات الفكر القمعي. وليس سراً أنّ الملك استاء من احتواء مشروع القانون الجديد عقوبة الحبس. هل سمع السادة أعضاء اللجنة بموقف الملك؟ إن سمعوا فواضح أنّهم لم يقبلوه.
حرية الصحافة حق للأردن والأردنيين. هي حق دستوري. وهي شرط التطور والتحديث. وهي مآل لن يحول دونه موقف لجنة نيابية أو ضبابية موقف حكومة.
الصحافة الحرة في البلد تتطور. العقبات التي يضعها سجناء العقليات المغلقة ستعيق المسيرة. لكنها لن توقفها. وعلى الصحافة أن تتحدى موقف النواب وموقف الحكومة وأن تكسر أي قيود تفرضها ثقافة رسمية تأبى أن تنسجم مع المصلحة الحقيقية للبلد في خلق بيئة تكفل عملاً صحافياً مستقلاً مهنياً محترفاً.
التحدي يكون بممارسة الصحافة دورها بكل مهنية واستقلالية. تطوير الصحافة أدوات عملها المهنية وترسيخ ثقافة تلتزم شروط العمل الإعلامي المحترف هما السلاح الأقوى في ترسانة المؤسسات الإعلامية. المنتج المقنع يفرض نفسه. ولا شيء، لا قانون متخلفا ولا مسؤول مستبدا، يستطيع أن يحاصر صحافة مستقلة مهنية محترفة.
ليبقِ السادة النواب على عقوبة الحبس. ولتحاولْ الحكومة أو بعض أعضائها تقديم التأويلات الإيجابية لمشروع قانون المطبوعات رغم وضوح علاته. معركتهم خاسرة. فعدوهم هو روح العصر. ولا ضرر في أن يسجن صحافيون وهم يؤدون واجبهم المهني إن كان ذلك ثمن ضمان حق حرية الصحافة. فللباطل على مدى التاريخ جولاته. لكن، في النهاية، لن يصح إلا الصحيح. وسيأتي يوم يعرف فيه النواب وكل الرسميين أن وجود شيء اسمه قانون المطبوعات والنشر هو بحد ذاته علامة تخلف وبقايا ثقافة قمع ترفضها الشعوب، فطرياً، وتغيرها، تدريجياً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد