كان يمكن لأي صدفة أن تحول دون تحقق واقعة ضرب بوش بالحذاء. لكن من سوء حظ الرئيس الأميركي أنها وقعت ولا شيء سيمحوها، وستعلق بصورته وسيرته والحكم الأخير على مرحلته.
في الغرب تحولت الحادثة إلى مادّة تُلحق كل يوم مزيدا من الأذى بالرجل، وتقول خبيرة في الاعلام أن لا شيء يمكن فعله ازاء ذلك، وعليه يجب تحمّل كل التبعات مثل ظهور لعبة كومبيوتر لرمي الأحذية والهدف المتحرك يكون بوش وهو يحاول تفاديها، وقبول كل النكات والتعليقات والتلميحات الساخرة التي لم يتمكن حتّى رؤساء الدول من منع انفسهم عنها.
يقول خبير آخر إنّه ليس للرئيس بوش أن يعلق أو يشير البتّة إلى الواقعة، فهذا لن يفعل سوى زيادة الأمر سوءا. لكن لن تكون جزءا من هذه التبعات المؤذية للرئيس الأميركي رفع صورته وعليها فردة حذاء في الاعتصام الشعبي أمام مجمع النقابات المهنية في عمّان، ولا كل هذا النمط من الإهانات والتحقير الذي قامت وستقوم به الفعاليات السياسية عندنا، وتريد أن تكرر إهانة الرئيس الأميركي، فهذه تؤذينا وتؤذي صورتنا نحن فقط.
تماما، كما أن رسم بوش الأب على أرضية مدخل فندق الرشيد لتدوسه الأرجل، ليل نهار لسنوات، لم يؤذ قيد أنملة صورة بوش الأب في عيون الرأي العام، ولم يحقره أو يمسخره، ولا دخلت الحادثة التاريخ ولا المشهد الدولي، ولم تنطو سوى على دلالات سلبية لثقافة محلية يمكن في أحسن الأحوال إلصاقها بالنظام السابق، وليس بالشعب، الذي لا أعتقد أنه كان يشعر بأي فخر أو انتصار بدوس الرسم!
وقد زرت بغداد في واحدة من تلك المناسبات التضامنية أوائل التسعينات، وكنت اوسع خطوتي كي لا أدوس الصورة، فلم أرَ في الأمر إلا التصرف المهين للذات. وقد رأيت في الوضع هناك وفي سلوك الوفود ما يكفي لأقرر أن لا أرجع أبداً لمثل تلك المناسبات.
غير ذلك، يستحق لفت الانتباه ما جاء على لسان شقيق الصحافي منتظر الزيدي، فهو بعد أن تحدّث عن الضرب والتعذيب اللذين تعرض لهما منتظر، قال لقناة البغدادية إنه يريد أن يذكر أيضا للتاريخ ما أخبره به اخوه، بعد رميه الحذاء على بوش، بأنّ الحرس العراقي أخذوا يضربونه ويرفسونه بوحشية، وهو يسمع الأميركيين يصرخون: لا لا لا. لكن الحرس العراقي أخذه بعيدا وتابع ضربه.
ومعلومة أخرى سمعتها، ولا استطيع تأكيدها، أن حرس المالكي سارعوا بعد الحادثة لتطويق ومصادرة الأجهزة وكاميرات الصحافيين، وطبعا بينهم الكم الكبير من الصحافيين الأجانب، فتدخل الجانب الأميركي، وأصرّ على اعادة الكاميرات للصحافيين. فعاد الحرس العراقي لشتم الصحافيين وضربهم بعد ذلك، كما شهدنا على الشاشات وفي الأخبار.
كانت حادثة الحذاء صدفة من التاريخ لصنع صورة خاتمة استحقها الرئيس الأميركي وإدارته الكارثية، وقال معلق أميركي: أهون وأشرف لو أن ما أطلق على الرئيس كان رصاصا وليس حذاء، وهو تعليق بليغ للغاية حقا..
أمّا بالنسبة لهذا النوع المتدفق من تعليقاتنا، فأقول كان افضل لو سكتنا!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جميل النمري صحافة جريدة الغد