جاءت ردّة الفعل الجماهيرية في الأردن فورية على المجازر الاجرامية في غزّة، فقد خرج المواطنون في تجمعات واعتصامات ومظاهرات في مناطق عمّان والمحافظات، ونأمل ان تتعاظم دائرة الاحتجاج عربيا ودوليا لوقف العدوان على شعب غزّة وهو الأكثر دموية منذ عام 67.
سلطت قوات الاجرام الاسرائيلية قوّة نارية مدمرة على القطاع من دون حاجة لاجتياح. وبينما أكتب المقال كان عدد الضحايا قد جاوز 195 شخصا اضافة لمئات الجرحى. ويقول قادة العدو: ان هذه هي البداية فقط، ومع اننا نتشكك بمصلحة اسرائيل بالقيام باجتياح كامل، فهي على كل حال وحدها ستقرر متابعة الضرب أو التوقف، الانتقاء بين اجتياح واسع او الاكتفاء بتوغلات محدودة بالموازنة بين حجم الانجاز وكلفته المادّية والمعنوية. انها ليست مواجهة عسكرية، وليست انهيار هدنة، انها مجزرة من جانب واحد.
ليسوا ارقاما أو مشاهد تلفزيونية مفزعة للأشلاء فقط. فهؤلاء شباب لهم آباء وأمهات، ولهم أبناء وأسر. سوف نغضب ويملأنا القهر، ثم لن يكون هناك شيء. السياسة تكون مجرمة، اذا لم تضع الخسائر الباهظة في حياة البشر بعين الاعتبار. وقد كتبت، قبل ثلاثة ايام، تعليقا على إعلان حماس عدم تجديد الهدنة: "أن هذه المناورة سيكون ثمنها فقط العدد الذي ستقرره قيادة اركان الاجرام في اسرائيل من القتلى الفلسطينيين.. ولن تمرّ ايّام قبل ان يتضح ان ثمّة مجزرة من طرف واحد"، والحقيقة ان ابعاد المجزرة اتضحت خلال ساعة واحدة.
طبعا ليس الآن وقت التلاوم، بينما اسرائيل تستمر في هذه الاستباحة الوحشية للدم الفلسطني. وهذا كان ايضا لسان حال المسؤولين الفلسطينيين في رام لله.
وكما قال أحدهم " الدم ما بيصير ميّه"، لكننا كمراقبين ومحللين نخون أمانة الكلمة اذا لم نقل قناعاتنا، وهي أن الطموحات والحسابات السياسية تجعل من حياة الفلسطينيين وعذاباتهم وقودا للنار الاسرائيلية المتحفزة من دون حساب.
وقد سمعت أمس الناطق باسم حماس فوزي برهوم يطلق الوعيد موجها النداء الى "الأذرع المسلحة" لكل الفصائل للردّ على العدوان، متحايلا على استفسارات الصحافي عن حجم القدرة الفلسطينية على الردّ بعبارات انشائية تعبوية تثير الأسى لفرط ما فيها من تعلق بالكلام عن العزيمة والإرادة في غياب ادنى نديّة في القوّة المسلحة.
نعم العزيمة والارادة والتصميم، لكن ايضا الحسابات المسؤولة عن حماية حياة الفلسطينيين من عدوهم المتحفز والقادر على قتلهم.
من الحق أن نسأل ايضا أمام هذه المذبحة أين العرب! لكننا نكذب على انفسنا اذا قلنا اننا لا نعرف أو لم نتوقع، وقد حدث ذلك تكرارا خلال المحطّات الأكثر دموية من الانتفاضة الثانية! أو عسى ان حماس حين اعلنت عدم تجديد الهدنة كانت تراهن على غضبة عربية مضرية، لو اقدمت اسرائيل على عدوان واسع!
كان لديّ وجهة نظر قلتها، بما كان يتوجب عمله لمنع المجزرة الرهيبة. وقد فات الوقت، والآن ليس امامنا سوى ممارسة كل ضغط ممكن لحمل العالم على وقف المجزرة الحالية لنعود مجدداً - مع الأسف- لاقتراح العودة لنفس الأفكار لحماية الفلسطينيين من مجازر جديدة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد