أختار تعليق الأخ ناصر زريقات على مقالي أمس: "أتمنى أن يتكرم الاستاذ النمري ليجيبني؟ توزيع أشلاء الوطن الفلسطيني بين الأردن ومصر على تعبيرك حدث بالفعل بعد النكبة الفلسطينية في العام 1948، عندما تم إجهاض الدولة الفلسطينية في مؤتمر غزة ومشروع حكومة عموم فلسطين. وجاء الرد الاردني عليه بمؤتمر أريحا، وعوضا عن قيام دولة فلسطينية يعود اليها جميع لاجئي الشتات آنذاك تم قطع الطريق على هذا المخطط واعتبار سكان الضفة اردنيين بجرة قلم، واعتبارها أرضا أردنية. ولم يعترف احد بهذا الضم، وبالتالي بعد حرب الـ67 اصبحت الضفة بحالة فراغ سياسي وقانوني، فلا هي ارض فلسطينية ولا هي ارض أردنية، كما اصبح لاجئو الشتات في حالة ضياع، فلا يوجد اي بلد يعترف بهم قانونيا، ولا حتى حكومة منفى ينتمون اليها. وسؤالي إليك يا أخ جميل والذي أتمنى أن تتكرم وتجيبني عنه هنا أو على الاقل تعدني بالاجابة عنه في مقال مقبل: لماذا لا يعترف الأردن ومصر بخطيئتهما الكبرى هذه بحق القضية الفلسطينية؟ ولماذا غيرا مواقفهما من مشروع الدولة بعد ضياع الضفة وغزة بحرب حزيران. أتمنى من إدارة الصحيفة ألا تحذف هذه المداخلة، فليس فيها ما يسيء إلى أحد أو يتجاوز حدود اللياقة والأدب، وأن تثبت لقراء "الغد" أن سقف حرية التعبير في هذه الصحيفة يسمح بنقد الأخطاء التاريخية في الأردن".
***
كما يرى الأخ زريقات لا تنشر "الغد" تعليقه تحت مقالي على الموقع الإلكتروني فحسب، بل ها أنا أنشره هنا على الورق كي أتمكن من تلبية طلبه بالردّ عليه. ولا أفعل ذلك لأنه طلب وعدا بذلك بصيغة التحدّي تقريبا، بل لأهمية الموضوع تاريخيا ومركزيته راهناً حتّى بالنسبة لما يحدث في غزّة الآن.
نعم، لم يكن ضمّ الضفة الغربية خطأ فحسب، بل خطيئة تاريخية، وعلى الأقلّ كان يجب في اطار الوحدة الحفاظ على الكيانية الفلسطينية، اي أن تكون الوحدة بين كيانين وطنيين مستقليّن فلسطيني واردني.
لكن حتّى لا نبدو كمن يمارس الحكمة بأثر رجعي. فمن الإنصاف تذكر السياق التاريخي وأشكال التفكير السائدة في وقته أي زمن النكبة. فالانتماء الوطني، بمعنى القطري، لم يكن راسخا، بل إن شرعية الكيانات القطرية كانت مثلومة بوصفها نتاج مؤامرة التجزئة التي فرضتها "اتفاقية سايكس بيكو". ولم تكن امارة شرق الأردن بالنسبة للملك (الأمير عبدلله في حينه) سوى قاعدة لمواصلة رسالة الثورة العربية الكبرى التوحيدية ومشروع دولة المشرق العربي الكبير الذي اغتالته اتفاقية فرنسا وبريطانيا.
وعليه، لم يكن هاجس الحفاظ على الهوية الوطنية او القطرية الفلسطينية حاضراً، فقد كانت القضيّة هي استعادة الجزء المغتصب من فلسطين. ولعلّ إعلان دولة فلسطينية متحدة أو غير متحدة مع الأردن، كان سيبدو اعترافاً بنتائج نكبة، ولذلك جاء ضمّ الضفّة بصيغة "حفظ الوديعة" لحين تحرير بقية الأرض.
لكن لو كان التفكير أكثر تقدما، فالصحيح هو تثبيت كيان فلسطيني يضمّ الضفة وغزّة. وللعلم فإنّ جلالة المغفور له الملك الحسين، وفي تصريح علني نادر ذات مرّة مطلع التسعينات طرح هذه المراجعة النقدية، قائلاً: لو عاد الزمن إلى الوراء، لكنت اخترت الوحدة بطريقة مختلفة تحافظ على الكيان الفلسطيني. لكنّ كياناً فلسطينيا يضم الضفة وغزّة، متحدا مع شرق الأردن، ما كانت ستسمح به "مصر فاروق" التي كانت تسيطر عسكريا على قطاع غزّة.
أمّا قبول مصر والأردن لدولة تضم الضفّة وغزّة فقط بعد ضياعهما عام 67، فليس دقيقاً ايضا، فقد ولدت منظمة التحرير من أجل تحرير فلسطين المحتلة عام 48، وفقط بعد عام 73(حرب اكتوبر) تبلورت وترسخت الكيانية الفلسطينية المستقلّة، والاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي وحيد ثم بمشروع الدولة الفلسطينية المستقلّة في الضفّة وغزّة.
وإذا كانت "أشلاء" فلسطين، أي الضفّة وغزّة توزعت بين الأردن ومصر بعد النكبة، فنحن بإزاء مشروع نكبة ثانية بإعادة توزيع "بقية هذه الأشلاء" مجددا بينهما. ويفتح الطريق لهذا المشروع على غير توقع وقوعُ الانقسام بين غزّة (حماس) والضفّة (فتح)، حيث لا يمكن لأي منهما ان يقيم دولة مستقلّة. وفي نهاية المطاف يصبح الحلّ عبر مصر والأردن تماما كما تريد دوائر اسرائيلية وأميركية، وهو الأمر المرفوض جذريا أردنياً ومصرياً.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جميل النمري صحافة جريدة الغد