ياسر أبوهلالة، مدير مكتب الجزيرة في عمان والكاتب في _، صحافي شجاع،تعرض للضرب والاهانة، مثله مثل باقي الناس المتواجدين في المظاهرة التي انطلقت ظهر أول من أمس في الرابية، الضاحية العمّانية التي تستقر بها سفارة الكيان الصهيوني. لكن لأن الجزيرة تملك ثقلاً اعلامياً كبيراً، ولأن خبر ضربه ظهر مباشرة على الشريط الاخباري، ومن ثم في نشرة الاخبار، ولأنه صحافي فقد تلقى على الفور مكالمة من جلالة الملك للاطمئنان على صحته، تبعته زيارة له من قبل رئيس الوزراء نادر الذهبي ووزير الداخلية عيد الفايز ووزير الدولةلشؤون الاتصال والاعلام ناصر جودة، وظهروا يُقَبّلونه معتذرين والابتسامات على محياهم، مُعْلِمينه بأنهم شكلوا لجنة للتحقيق في الحادث المؤسف، ومؤكدين له أنها حادثة فردية. حادثة فردية؟ الآن نسأل: ماذا عن عشراتٍ من الآخرين الذين تلقوا الشتائم والاهانات والضرب المبرح بالهراوات واللكم والركل والدعس في البطون؟ من سيعتذر لهم؟ ومن سيشكل لجان تحقيق حول ما تعرضوا له؟ والى متى سيظل المواطن تحت رحمة صلاحيات تشمل ضربه وسبه والدعس في بطنه؟ الى متى سيظل المواطن "حادثة فردية"؟. ظهر أول من أمس، كنت أتواجد في الصف الاول لمظاهرة الرابية، وحاولت جاهداً مع بعض الاصدقاء النقابيين (كما يشهد البث المباشر للجزيرة) ولمدة اربع ساعات متواصلة منع الاحتكاك بين المتظاهرين المتحمسين للوصول الى سفارة العدو في عمان وبين قوات مكافحة الشغب، التي سميت "قوات الدرك". كان بامكان هذه القوات الاستمرار في احتواء الموقف بطريقة "الدفع" التي كنا نستعملها بنجاح طوال اربع ساعات. نعم، كانت هناك اساءات قليلة من المتظاهرين، فبين حين وآخر كانت زجاجة ماء أو حجر يلقى من بعيد، ولكن لم يكن ذلك الا حالات منفردة وبسيطة لم تشكل أي تهديد على الاطلاق لقوى مدججة بالدروع والخوذ. ولكن هل كان هذا مبرراً للتعامل بأقصى ما تملك من العنف مع المتظاهرين؟ بالنسبة لي شخصياً، انا المخلص لفكرة منع الاحتكاك طوال ذلك اليوم، فقد سقطت قنبلة الغاز المسيل للدموع مباشرة أمام وجهي، وغبت بعدها عن الوعي لأجد نفسي في المستشفى. زميلي أ.ج.ر الذي كان يساعدني في منع الاحتكاك أكل نصيبه من الهراوات حتى شبع، فيما كسرت رجل زميل ثالث ( ج.ش) وهي تلتف الآن بكتلة ثقيلة من الجبس. عند خروجي من المستشفى، اصررت على احد الاصدقاء لاصطحابي بسيارته الى الرابية مرة أخرى لاسترجاع سيارتي. هناك، في احد الشوارع الفرعية الضيقة، كان الى جانبها ما يزيد على العشرة من قوات الدرك المدججين بالعصي يضربون مواطنين اثنين لم يكن في الشارع غيرهما، كالوا لهما الصفعات والركلات، وأحدهما تلقى هراوة على رأسه فانبثق الدم غزيرا. خفت ان فتحت الباب محاولاً التدخل، ان ينالني من الركل والضرب والسباب ما يعيدني الى المستشفى مرة أخرى. فبلعت اهانة مشاهدة آخرين ينكَّل بهم من دون ان أتدخل، وطفرت دمعة من عيني. عندما عدت الى البيت، ورأيت المشاهد التي التقطتها الجزيرة لعمليات التنكيل بالمواطنين، صارت المسألة أكثر من واضحة: 1- ماذا يفعل خمسة دركيين مجتمعين فوق مواطن منطرح على الارض ممسك بخيمة الاعتصام الصغيرة يضربونه بكل ما يمتلكون من عنف وتنويعات الى الدرجة التي طار فيها أحدهم في الهواء ليركله في بطنه؟ 2- لماذا يتم التعامل بعنف هائل فقط مع مظاهرات الرابية؟ وهل –رغم كل التلميحات الحكومية حول "خياراتهم المفتوحة تجاهها"- تظل سفارة العدو الصهيوني خطاً أحمر؟ 3- أين القوى السياسية المعارضة؟ وهل هناك تواطؤ بينها وبين الحكومة لاحتواء الشارع وافراغه؟ الملتقى الوطني للاحزاب والنقابات وحركة الاخوان المسلمين غير معنيين بالشارع واتجاهاته بتاتاً في تكرار مرير لتجارب الـ2000 (انطلاق الانتفاضة الثانية) و2002 (مجزرة جنين) التي خرج الناس فيها في ذات الموقع، وبالآلاف، ضد سفارة العدو. ففي الجمعة السابقة (2/1/2009)، عندما كان يفترض ان تخرج مسيرات من الجوامع من كل المناطق، لم يجد الملتقى الوطني سوى ستاد عمان، الملعب الكبير لكرة القدم في العاصمة، ليحشروا الناس فيه لعقد مهرجان خطابي ويفرغوا الشوارع منهم. اما هذه الجمعة، فقد قررت مكونات الملتقى الوطني المشاركة فرادى في مسيرة تنظمها الحكومة وسط البلد، بعيداً عن السفارة ومشاكلها، فيما أقام الاخوان المسلمون مهرجانا لهم في طبربور، واحدة من ضواحي عمان البعيدة جداً عن المظاهرة المركزية التقليدية في الرابية. المشهد في الاردن مغرق بالمأساوية، فمطالب الناس باغلاق سفارة العدو في عمان واعلان بطلان معاهدة وادي عربة يبدو ان لا مستمعين لها، وبين العنف الواقع عليهم من الحكومة والاحتواء والتوظيف الواقع عليهم من قوى المعارضة الرسمية، يجد المواطن نفسه مدمى ومهاناً على قارعة الطريق، ولسان حاله يقول: ليتني كنت أيضاً مراسلاً للجزيرة. * طبيب وناشط نقابي

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد