لم تنتظر اسرائيل طويلاً لتعلن رفضها مبادرة السلام التي أعاد العرب التمسك بها في قمة الرياض أمس. فهي لا تضيع الوقت. تعرف تماماً أن نجاح العرب في إطلاق هجمة سياسية مقنعة سيحرمها القدرة على الاستمرار في تحميل العرب مسؤولية موت عملية السلام. لذلك تتحر ك بسرعة وفاعلية لإحباط هذه الهجمة.
القمة أخرجت العرب من إطار ردة الفعل العقيمة الى آفاق أخذ زمام المبادرة المفتوحة، ولو بضيق، على احتمالات تحقيق الإنجاز. وهذا يتيح وقف النجاح الاسرائيلي في تقديم العرب للعالم دعاة حرب وعقبة في وجه السلام. لم يستطع العرب وقف جريمة الاحتلال. موازين القوى، سياسياً وعسكرياً، إضافة الى الوهن والفرقة العربيين، حالت دون ذلك.
لكن بإمكانهم التصدي لجريمة تشويه صورتهم. المبادرة العربية سلاح فاعل في هذه المعركة. فهذه المبادرة، التي تبني على حراك سياسي مكثف سبقها، تستطيع دحض ادعاءات اسرائيل أن العرب مسؤولون عن استمرار الصراع في المنطقة. وهذا إنجاز مطلوب في الساحة الدولية التي تؤثر مواقفها على مآلات مسعى العرب استعادة حقوقهم.
الرد الاسرائيلي كان متوقعاً. لكن الصدمة في مواقف عرب انضموا الى اسرائيل في تسفيه المبادرة والتقليل من أهميتها. أصوات رفضوية خرجت تخون وتتهم وتزايد. أصوات تنتهج المهاترات. تصرخ باللامنطق. تزور الحقائق من دون أي اعتبار لدمارية هرطقاتها على مجتمع عربي أنهكه اليأس والإحباط والفشل في رفع الظلم وفتح آفاق الحياة الكريمة وبناء الأوطان الديمقراطية المحكومة بمصالح شعوبها. أصوات حدود أفقها مزايدات لا نفع منها، بل ضرر. لكنها أصوات تصمت حين تبرز حاجة الفعل.
"قمة التضامن"، التي انتهت في الرياض أمس، نجحت في اتخاذ مواقف سياسية يحتاجها العرب في صراعهم مع اسرائيل. وحاولت القمة أن لا تخدع العرب برسم صورة مجملة لواقع عربي بشع. اعترفت بقصور النظام الرسمي العربي. أقرت وجود خلافات جوهرية بين دول عربية رئيسة. والأهم أنها نأت بنفسها عن مصالحات "بوس اللحى" التي اعتادها العرب.
فعلت القمة ما تعتقد أنه يقوي موقف العرب في الصراع مع اسرائيل فأكدت التمسك بالمبادرة. واعترفت بأنها عجزت عن حل الأزمة في لبنان لأن وقود الأزمة موقفان إيرانيا وسوريا لم يتغيرا.
حضر الرئيس السوري بشار الأسد القمة. استقبله العاهل السعودي. فالسعودية، كغيرها من الدول العربية، تريد أن تتحرر سورية من هيمنة إيران وتتجه نحو عمقها العربي. إلا أن اللقاء لم يحل المشكلة. وتلك حقيقة يعرفها النظام السوري رغم محاولته توظيف صور لقاءات الرئيس السوري خلال القمة في ادعاء "انتصار" لا يفهم العقل معناه. يسوق النظام هذه الصور لشعبه دليلاً على أنه خرج من العزلة الاختيارية التي وضعتها سياساته فيه. "انتصار" في عيون كل من لا يرى الى الحقيقة.
وهذه الحقيقة ستبان سريعاً. النظام السوري وتر علاقاته مع عمقه العربي بشكل أصعب من أن يحله لقاء مع العاهل السعودي كرس لمناقشة الماضي لا المستقبل. إنهاء التوتر شرطه أن تتغير السياسات السورية. وهذا ما عجز النظام السوري عن فعله. فقراره عند إيران. وإيران لن تفرط في أوراقها في عالم العرب، الذي وفرت سورية بوابة رئيسة لتوسيع الهيمنة الإيرانية فيه.
مشاكل العرب أكبر من أن تحل بقرارات قمة. لكن القمة سيدت العقل على الشعاراتية الفارغة. وهذه بداية طريق جعلتها إخفاقات الماضي والحاضر صعبة ومتعثرة وطويلة. بيد أنها طريق لا بديل عن السير فيها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد