الولايات المتحدة مستاءة من إشارة العاهل السعودي خلال قمة الرياض إلى وجود قوات احتلال غير شرعية في العراق. تريد إيضاحات. وتتحدث عن أن العلاقة مع السعودية في "نزول".
غريب أمر واشنطن. حتى توصيف الواقع يزعجها. وكأنها تريد العالم أن يتحول إلى تابع يقول نعم لكل ما تفعل. غريب أمرها فعلاً. تريد من العرب أن يصفقوا لكل شيء تفعله حتى لو كان فيه خطر على مصالحهم! حتى لو كان فيه تدمير لبلد عربي!
هنالك احتلال أميركي في العراق. وهذا الاحتلال حقيقة تظهرها الصور اليومية لحوالي 150 ألف جندي أميركي يصولون ويجولون في بلاد الرافدين. تستطيع أن تظل الإدارة الأميركية في "حالة الإنكار" التي تعيش. لكن ذلك لن يغير في الحقيقة شيئاً.
أمضيت بعض أشهر في العراق قبل عامين حين عملت مديراً لإعلام بعثة الأمم المتحدة في بغداد. أقمت في فندق الرشيد، الذي كانت بعض قاعاته مكاناً لعقد الاجتماعات. كنت ذات يوم على موعد مع وزير الصحة العراقي آنذاك. اتفقنا أن نلتقي في فندق الرشيد. لكن جندياً أميركياً رفض السماح للوزير بدخول الفندق. قلت له إني أعمل في الأمم المتحدة وأقيم في الفندق، وأن "الضيف" وزير في حكومة العراق التي تملك الفندق. سخر منا. الوزير لا يحمل تصريحاً خاصاً لدخول الفندق من القوات الأميركية في العراق. إذن لن يدخله.ولم يدخله.
هذا الجندي، حسب الإدارة الأميركية، ليس جزءاً من جيش احتلال. يمنع وزيراً من عقد اجتماع مع ممثل للأمم المتحدة في فندق عراقي في العاصمة العراقية. مع ذلك، هو ليس محتلاً! عجباً!
تستطيع أميركا ان تظل تكابر حول دمارية نتائج غزوها للعراق. تستطيع أن تظل تحاجج أن إسقاط ديكتاتورية صدام حسين أوجد الديمقراطية في العراق. لكن ثمن هذه المكابرة كبير عليها وعلى العراقيين. وهو كبير أيضاً على دول المنطقة. أقل ما تستطيع هذه الدول فعله هو أن تنتقد سياسات واشنطن, وأن تنأى بنفسها عنها. فلماذا يحمل العرب وزر خطيئة ارتكبتها أميركا رغم أنف المجتمع الدولي برمته؟
لا خطأ فيما قاله العاهل السعودي. الخطيئة في موقف واشنطن. وبدلاً من أن تطلب الإدارة الأميركية "إيضاحات" من السعودية حول توصيف ملكها لواقع الحال في العراق، عليها أن ترى إلى الدمار الذي جلبته سياساتها للعراق، وللمنطقة.
فأصوات النقد لواشنطن لا تأتي من خارج الولايات المتحدة فقط. شعبها ساخط على فعائلها. عبر الأميركيون عن هذا السخط حين أنهوا سيطرة الحزب الجمهوري الحاكم على الكونغرس الأميركي. ويسعى الكونغرس الى فرض موعد انسحاب قوات الاحتلال الأميركية من العراق. لكن الرئيس جورج بوش يصر أن لا يسمع. ويهدد باستعمال حقه في نقض القرار.
 مشكلة الإدارة الأميركية انها لا تسمع إلا صوتها رغم لا منطقيته. وستبدأ مشكلة العراق ومشكلة فلسطين وغيرها من مشاكل المنطقة تجد طريقها إلى الحل حين تتعلم أميركا أن تستمع لما يقوله الآخرون، إلى شعبها وإلى أصدقائها في العالم. بيد أن هذا تحول في عقلية الإدارة الأميركية عسير حدوثه. وإذا لم تكن أربع سنوات من الفشل كافية لإنتاج هذا التحول، فلا أحد يدري ما الذي تحتاجه الولايات المتحدة لتقول "أخطأت" وتبحث عن مخرج حقيقي من الأزمة التي أغرقت العراق فيها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد