تريد إسرائيل من العرب تطبيع العلاقات معها قبل الوصول إلى حل للصراع العربي - الإسرائيلي يعيد للعرب بعضاً من حقوقهم التي سلبتها. تطلب إسرائيل أن يسقط العرب مشاعر العداء تجاهها. تتناسى أن مشاعر العداء هذه هي نتيجة تراكمية لما ارتكبته من جرائم منذ بداية القرن الماضي. تفعل ذلك وهي تدرك استحالة تلبية مرادها. تتحدث من منطق القوة. تريد من الضحية أن تعشق جلادها.
 لن تنال إسرائيل مبتغاها. عداء العرب لها غير مرتبط بحقد تاريخي أو رفض ديني. كره العرب لإسرائيل سببه تنكيل إسرائيل بهم. جذوره احتلال إسرائيل لفلسطين وتشريد أهلها. العداء نحوها سيبقى ما ظل الظلم والاحتلال.
 ما تريده إسرائيل هو إلغاء ذاكرة أمة. وذلك أمر مستحيل. أقصى ما يمكن أن يفعله العرب هو التعايش مع واقع الوجود الإسرائيلي بعد تحقق شروط السلام. لكن أحداً لن يعترف بأن لإسرائيل حقاً تاريخياً في حيفا أو يافا أو عكا. التعايش مع الواقع لا يعني تزوير الماضي. إسرائيل قامت على أرض عربية في غفلة من التاريخ، وفي لحظة من الهوان العربي والتآمر الدولي. يعترف العرب بإسرائيل ضمن حدود عام 48 انطلاقاً من إقرار بواقع واعترافاً باستحالة تغييره.
بيد أن الاعتراف بالواقع لا يعني الاعتراف للمعتدي بحق ليس له. ورغم ذلك ما انفكت إسرائيل تسعى لفرض رؤيتها للتاريخ على العرب والعالم. وسيظل العرب يرفضون هذه الرؤية. فلا يستطيع عربي أن يتقبل رؤية إسرائيل لتاريخ شواهد صدقية الرواية العربية له قائمة في بيوت عكا وحيفا ويافا والقدس وفي ذاكرة من طردوا منها.
 تريد إسرائيل من العرب أن يدفنوا مشاعر العداء لها بقرار، وحتى قبل أن تعيد بعضاً من أرض فلسطين التاريخية. تبقي على احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة وتسرق الأرض والأمل وتطلب من العرب أن يطبّعوا علاقاتهم معها!
غباء هذا؟ لا. هو عنجهية المنتصر المغرور بانحياز اللحظة التاريخية له. وهذه وصفة حرب لا طريق سلم.
العداء لإسرائيل تراكم عبر عقود من الاحتلال والقهر والظلم ومحاولات إلغاء حق الفلسطينيين في وطنهم. زوال العداء لن يكون أيضاً إلا نتيجة تراكمية بعد انتهاء الاحتلال ورفع الظلم. وحتى حينذاك، ستحصل إسرائيل على السلام. أما التطبيع، بمعنى الوصول إلى علاقات طبيعية بين الشعوب العربية وإسرائيل، فهذا سيحتاج زمناً طويلاً بعد استعادة العرب، وخصوصاً الفلسطينيين، حقوقهم. لكن حتى لو مر الدهر كله، فلن يقبل العرب السرد الإسرائيلي للتاريخ. التعامل مع الواقع شيء. وخيانة الحقيقة شيء آخر. وستظل فلسطين في وجدان العرب عربية.
 إصرار إسرائيل على تطبيع شعبي مع العرب يفترض إلغاء مشاعر من استبيح حقه. وهذا استفزاز لن يفضي إلا إلى تأجيج الصراع. لكن الثابت أن استمرار الصراع هو تماماً ما تريده إسرائيل. فمن يريد السلام لا يظل يستبيح حقوق الآخر، ولا يهين مشاعره بطلب المستحيل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد