كانت أربع سنوات عجاف. قطافها الموت. سنوات ألم. قتل. دمار. حزن. وغضب.
حسرة على عراق صارت ساحاته قبوراً. ألم على شعب عراقي مزقته الإثنية والمذهبية. قتل لمواطنين عُزّل. دمار طاول كل شيء. حزن على وطن تقتله عنجهية مستبد دولي دمر العراق بحجة إسقاط ديكتاتور فجعلت فعائله من جرائم صدام حسين نقطة في بحر ظلمه وجوره واستبداده. غضب على عالم عربي مهّد عجزه الطريق أمام أعدائه ليستبيحوه.
سقطت بغداد. عنوان مايزال له وقع السيف على وجدان عربي حدود فعله التذمر والدعاء والبكاء على أطلال مجد بعيد، بعيد جداً.
أربع سنوات مرت على سقوط عاصمة الرشيد. حصادها كان ناراً ولهيباً على العراقيين وعلى المنطقة وعلى السلم الدولي. لا ديمقراطية تجذرت. ولا إرهاب اندثر. تحرر العراق من ظلم صدام حسين. لكنه صار أسير عبثية جورج بوش. زال قمع البعث. وزال معه بنيان الدولة. حل الموت. وتعددت مصادره. لكن منبعه الأساس كان احتلالاً أميركياً سلّم العراق للفوضى والإرهاب وميليشيات القتل.
حصيلة الموتى الشهرية تتجاوز الآلاف. احياء فُرّغت من سكانها. عائلات انقسمت بين شيعي وسني وكردي. قتل على الهوية. إجماع على ويلات حياة. فشل في إيجاد مخرج.
أميركا دمرت العراق. والعراقيون مايزالون عاجزين عن إعادة بنائه. فشلوا في التوافق على مقومات عيش مشترك يعظم الهوية الوطنية ويحترم الهوية الإثنية والمذهبية، فينقذ العراق من براثن الموت الذي يقبع فوق أيامه. ثمة أمل في عملية سياسية تبقى الخيار الوحيد للخروج من المستنقع. لكن خطايا أميركا جعلت من هذه العملية مخلوقاً مشوهاً يحتاج عديد عمليات جراحية قاسية لإعادة تأهيله.
نَصُب الغضب على أميركا. بيد أن للعرب في صناعة المأساة التي صارها العراق ذنباً كبيراً. تركوا العراق يلملم جراحه وحيداً. فدخل الآخرون من حيث كان يجب أن يسد العرب الأبواب. تسللت إيران إلى كل صغيرة وكبيرة في شؤون العراق. لعبت على أوتار مشاعر مذهبية تعاظمت إذ لاح الخطر في كل أفق. وأفاد الإرهابيون من صمت مقيت أو خطاب مذهبي أسهم في إذكاء الفتنة. جلبوا الموت إلى العراق. وصدروه إلى الجوار.
تلك هي صورة العراق في الذكرى الرابعة على سقوط عاصمته. لكنها صورة لا يمكن أن تكون نهائية. مخاضات إعادة التكون ستكون صعبة. بيد أنها حتمية.
بداية الحل في تحديد موعد انسحاب أميركي يسبقه توليف معادلة تحول دون انفجار سيكون إن حدث كارثياً. نهاية الاحتلال ستضع العراقيين أمام خيارين: إما حرب أهلية تحرق البلد. وإما توافق على معادلة سياسية تعطي لكل ذي حق حقه. راهن العراق سمته الجنون. قتل الذات. تدمير الوطن. لكن الجنون مهما انتشر فإنه سينحسر أمام منطق التوافق الذي لا بد أن يسود, ولو بعد حين.
ولن يطول الجنون اذا وجدت القوى الوطنية العراقية (تلك التي تريد وطناً ديمقراطياً حراً عادلاً لا تمييز فيه على أساس عرق أو مذهب أو دين) إسناداً عربياً. فهذا شرط للاستقرار يحتاجه العراقيون من العرب. ولا جميلَ للعرب حين يقفون الى جانب العراق. فإن استقر استقروا وإن مزقته الحرب طاولتهم نيرانها.
العراق أكبر من أن يلغيه ديكتاتور طارئ، يتسيد، الى حين، البيت الأبيض والعالم من حوله. لكن وجع العراق سيطول إن بقي محكوما بمعادلات صفرية تجعل من مكاسب بعض أهله خسارة لبعض آخر. ويمكن أن يتوقف الجرح عن النزيف إن انطلق العراقيون في سياساتهم من حقيقة استحالة إلغاء فئة لأخرى وحتمية شراكة كل العراقيين في وطنهم.
بوش دمر العراق. العراقيون وحدهم قادرون على إعادة بنائه. لكن ذلك شرطه الالتقاء على كلمة سواء. أربع سنوات من القتل كافية لتخلق الوعي بضرورة هذا الالتقاء، فيعود الأمل، وتعود الحياة تتدفق في بلاد الرافدين، قبل أن تحيلها الفتنة أرضاً يباباً لا حياة فيها الا للموت.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد