تأخرت الجامعات في التعامل مع ظاهرة العنف الطلابي. كثرت الشجارات الجامعية. لم تعد حالات معزولة. صارت آفة لا تكاد تخلو منها جامعة. لكن ردة فعل الجامعات عليها ظلت قاصرة. انطلقت من مواقف دفاعية. أرادت أن تغطي الشمس بغربال.
إلى أن تدخل الملك!
وبين ليلة وضحاها أصبحت الظاهرة أولوية عند قيادات التعليم العالي. يقرر مجلس التعليم العالي "عقد اجتماع" لبحث سبل مواجهة العنف الجامعي. ويتوافق رؤساء الجامعات على الالتقاء لدراسة آليات محاصرة الظاهرة. وهذا تطور يدين إدارات الجامعات ومجلس التعليم العالي. فإذا كانت أزمة العنف الجامعي تستحق هذا التهافت لوضع الحلول لها، فلماذا لم تأخذ إدارات الجامعات ومجلس التعليم العالي هذه الآفة بالجدية التي تستحق سابقاً؟
ثمة مشروعية، إذن، لاستنتاج أن الاجتماعات المرتقبة لبحث الظاهرة جاءت ردة فعل على تحذيرات الملك وليس انطلاقاً من حس بالمسؤولية إزاء أزمة تفشت بشكل مخجل في صروح البلد التعليمية. وهذا مؤشر على منهجية تفكير سلبية تتحرك بدافع الخوف لا انطلاقاً من التزام الواجبات.
على أية حال، بات العنف الجامعي الآن على جدول أعمال قيادات التعليم العالي في البلد. وهذا يعني توقع إجراءات تحاصر هذه الظاهرة على طريق وضع حد لها. لكن ما صدر من تصريحات من رؤساء جامعات حتى الآن لا يطمئن. يركز معظم الحديث على تغليظ العقوبات واتخاذ إجراءات رادعة بحق مسببي العنف الجامعي. وربما سنسمع لاحقاً تهديدات بـ"ضرب بيد من حديد" كل من يعبث بأمن الجامعات!
 وهذا هروب من تحمل المسؤولية. العقاب وحده لن يحل مشكلة. الأَوْلى بقيادات التعليم العالي أن تدرس أسباب العنف وتعالج البيئة التي تسمح بانتشاره. وليرَ رؤساء الجامعات إلى راهن الحياة في "صروحهم" قبل أن يهددوا الطلبة ويتوعدوهم.
 الأوضاع في معظم الجامعات مزرية. تكاد الجامعات تكون المساحات الوحيدة في المملكة التي ما تزال تعيش تحت الأحكام العرفية. دخول الطلبة الجامعة صار انتقالاً من صف في المدرسة إلى صف آخر. إرث من الإنجاز الجامعي تكرس عبر سنوات من العمل الجاد صار مهدداً.
يفترض أن تكون الجامعات، وكانت ذات زمن ليس ببعيد، مساحات للإبداع. لكن معظمها صار سجوناً محكومة بقوانين لا هدف لها سوى تحقيق "الانضباط" ولا نتيجة سوى قتل الإبداع وتجذير الإحباط. لا حياة سياسية. لا حفز لإبداع. لا ديناميكية تفتح أمام الطلبة آفاق التجارب. لا تمرد فكريا ولا تشكيك بمسلمات. ولا أيّ من تعابير الطيش الثقافي والسياسي الذي يشكل جزءاً من محطات صقل شخصيات جيل يفترض أن تكون سنواته الجامعية أعوام تكوّن.
 يجب أن تتصدى إدارات الجامعات لظاهرة العنف. لكن عليها أن تعتمد منهجية عمل تعالج جذور المشكلة ولا تقتصر على العقاب. وقبل ذلك ضروري أن يتم التصدي أيضا للانحدار الثقافي والفكري الذي أفقد التجربة الجامعية الكثير من محتواها. ثمة مشكلة كبيرة في الجامعات. وهذه لا تقتصر على ظاهرة العنف الجامعي، رغم أن هذه الظاهرة من أكثر تعابيرها بشاعة وتخلفاً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد