قبل أيام، رفض محافظ العاصمة ترخيص اعتصام لحركة "ذبحتونا" الطلابية. لكن الطلبة اعتصموا رغم قرار المحافظ. مر الاعتصام بسلام. لم يتهدد أمن البلد. وبانت عبثية قرار المنع وانكشف ضعف منطقه.
وأمس أعلنت أحزاب سياسية أن الحكومة رفضت أيضاً ترخيص اعتصام كان 28 حزباً أعدت له احتجاجاً على قانون الأحزاب. ومرة أخرى، لا يملك المرء إلا أن يقف مندهشاً أمام القرار الذي لن يؤدي إلا إلى توتير لا داعي له للأجواء السياسية في البلد.
لا يمكن فهم القرار إلا في إطار استمرارية وجود نظرة ضيقة لديناميكية الحياة السياسية في مجتمع أعلن الديمقراطية وجهته الحتمية.
فلا هذه الأحزاب تعمل في الظلام. ولا هي تهدد الأمن القومي. وسجلها في العمل السياسي السلمي موثق. وبالتالي فلا خطر من اعتصامها ولا ضرر له بمصالح البلد أو أمنه أو استقراره.
لكن الضرر الكبير الذي تدفع المملكة ثمنه هو القرارات العرفية التي لا يفسرها منطق ولا يبررها هدف. منع الأحزاب من اعتماد أي وسيلة سلمية للتعبير عن مواقفها هو سوء استعمال لسلطة غير مقننة منحها قانون الاجتماعات العامة للمحافظ. وهذا خلل مركزي في المنظومة التشريعية ينتقص من طروحات البلد الإصلاحية ويعيق جهود تجذير الديمقراطية وأدواتها المشروعة سبيلاً لإدارة الملفات السياسية.
ستتحدى بعض الأحزاب، حسب ما أكد عدد من أمنائها العامين، قرار المحافظ. ستعتصم أمام مبنى رئاسة الوزراء غداً. وهي تنطلق في قرارها المضي بالاعتصام من اقتناع بعدم شرعية منع نشاطها رغم استناده إلى القانون. وستجد الحكومة نفسها في وضع محرج إن أصرت الأحزاب على موقفها. فهي إن قررت منع الاعتصام بالقوة ستوتر الأجواء السياسية. وإن تغاضت عن الاعتصام فستكون أحرجت نفسها إذ سمحت بخرق القانون. وفي كلتا الحالتين، كما في حال عدم تنفيذ الاعتصام، الخاسر هو الأردن.
كان الأحرى بمحافظ العاصمة أن يسمح بتنظيم الاعتصام. موقف الأحزاب الرافض لقانونها معروف. والتزامها سلمية الاعتصام ثابت. وصورة أحزاب تعتصم أمام مبنى مجلس الوزراء شيء إيجابي لبلد يحترم الرأي والرأي الآخر ويستغل وسائل التعبير الدستورية في سجالاته وخلافاته السياسية.
إساءة للأردن أن تستبدل هذه الصورة بأخرى ملامحها تنتمي لعصر ولّى حيث تمنع الناس حقوقها ويحرم خادم عام أحزاباً قانونية ممارسة حق دستوري من دون أن يضطر حتى إلى تسبيب قراره أو تفسيره.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد