أظهر الاحتفال الذي رعاه جلالة الملك أمس لإطلاق منطقة إربد التنموية حجم الهوة بين مدرستين في البلد. مدرسة تحترم الوقت والعمل. وأخرى تعشق الكلام المنمق، تظن الإنشاء إنجازاً، وتعيد اجترار الخطابات المدائحية في كل مناسبة.
قال الملك غير مرة إنه حين يزور محافظات المملكة يريد أن يسمع معلومات لا أن يواجه بلوحات لغوية مشوهة. لكن قليلين هم الذين التقطوا الرسالة. وظلت أكثرية تضيع وقت الملك ووقت الناس في استعراضات كلامية لا قيمة لها ولا أثر.
تحدث الملك باختصار لمناسبة إطلاق المنطقة التنموية في إربد في يوم العمال. تكلم بمباشرة عن الهدف من المشروع. وقدّم مقترحات محددة حول كيفية تعظيم فوائده لسكان المنطقة. هذا منهجه. وضوح وولوج مباشر إلى صلب المواضيع. لكن قليلين تمثلوا هذا الأسلوب.
وكان الملك استبق مناسبة أمس برسالة وجهها إلى العمال حذر فيها من اختراقات لحقوقهم، ودعا إلى التصدي للممارسات التي تهضم حقوق العامل بالأساليب الديمقراطية والقانونية والحضارية.
وأيضاً يبدو أن رئيس اتحاد نقابات العمال لم يقرأ الرسالة. فبدلاً من أن يوظف النافذة التي فتحها الملك في مناقشات قضايا العمال وهمومهم، أضاعها في كلام إنشائي ومدائح لم تقدم معلومة مفيدة واحدة.
لم يذهب الملك إلى إربد ليستمع إلى شعر رديء. ذهب ليقول إن البلد يحتاج أن يوظف كل إمكانياته في تحسين مستوى معيشة المواطنين. فهؤلاء يعانون ظروفاً اقتصادية صعبة، فقراً وبطالة وغلاء أسعار وقلقاً من المستقبل.
مسؤولية القيادات الرسمية والخاصة أن تقدّم فكراً نافعاً حول كيفية تجاوز هذه المعضلات. والمناسبات العامة التي يحضرها الملك يجب أن تُستخدم لعرض هذا الفكر. فالمواطن الذي يتابع ما يقال في هذه المناسبات يريد خططاً وبرامج تحسن شروط حياته. وهو عندما لا يسمع إلا خطابات رنانة يفقد الثقة بجدوى هذه المناسبات ويصنفها مضيعة للجهد واستخفافاً بهمومه.
تحتاج الكثير من القيادات الوطنية أن تعيد منهجية تفكيرها وأن تعدّل منطقها. وعليها أن تعرف أن تبوؤ المنابر العامة مسؤولية تفرض حداً أدنى من احترام عقول الناس ووقتهم. وهذا يكون من خلال التحدث بما ينفع الناس، تشخيصاً لواقع، وشرحاً لبرامج، وتقديماً لمقترحات.
أما الخطابات الإنشائية فهي لا ترضي الملك ولا تقنع الناس. وهي دليل عجز عن فهم روح عصر لا مكان فيه إلا للفعل النافع أو القول الممهد له. فالإنشاء آفة آن وقت شفاء المجتمع منها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد