يام ويخرج جاك شيراك من الاليزيه. وستكون نهاية حكم شيراك بداية حقبة جديدة في السياسة الفرنسية. نيكولا ساركوزي دشن، بفوزه بالانتخابات الرئاسية، انتقال السلطة لجيل جديد من الساسة الفرنسيين. بداية الحقبة الفرنسية الجديدة كانت قفزة نحو اليمين. وهناك ستلتقي فرنسا مع السياسة الأميركية. وستبتعد عن العرب.
لا شك أن الاهتمام الشخصي لجاك شيراك بالمنطقة أعطى القضايا العربية مكاناً متقدماً في السياسة الخارجية الفرنسية. وانسجام شيراك مع ثقافة جمعية فرنسية مهووسة بتأكيد استقلاليتها، السياسية والثقافية، عن الولايات المتحدة كان وراء اتخاذ فرنسا مواقف عارضت سياسات أميركية فحظيت باحترام العرب.
نهاية عهد شيراك ستؤدي حتما إلى تراجع اهتمام فرنسا بالقضايا العربية. وحرص ساركوزي على تحسين علاقات باريس بواشنطن سيدفع فرنسا نحو الانسجام مع السياسات الخارجية الأميركية. وستشهد حقبة ساركوزي أيضا تحسناً في علاقات فرنسا مع إسرائيل، بعد أن اتسمت بالتوتر نتيجة السياسة "الشيراكية" إزاء الصراع العربي- الإسرائيلي.
لكن ساركوزي لن يلغي سياسات سابقِهِ في قصر الاليزيه الخارجية بشكل متسرع وفوري. سيفعل ذلك بِرَوِيّة. وسيكون حذراً وهو يعيد صياغة علاقات بلاده بالولايات المتحدة تحسباً لردة فعل سلبية من رأي عام فرنسي يفخر بخصوصيته الثقافية واستقلاليته السياسية.
صحيح أن فوز ساركوزي مثّل "قطيعة مع الماضي" كما عنونت الصحف الفرنسية أمس. لكن القادم الجديد إلى الاليزيه سياسي محنك يقرأ الشارع الفرنسي بدقة ويعرف أنّ أي إيحاء بالتبعية لواشنطن سيوقظ في الفرنسيين عصبية قومية ستؤرق أيامه.
بيد أنه عاجلاً أم آجلاً، سيجعل ساركوزي سياسة بلاده أكثر انسجاماً مع أفكاره اليمينية ومواقفه السياسية إزاء الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا تغير يستوجب على الدول العربية الاستعداد لتبعاته عليها. فقد خسر العرب بنهاية مستقبل شيراك السياسي حليفاً ويواجهون في حقبة ساركوزي سياسياً سيقود بلاده نحو سياسة جديدة لا تتفق مع رؤية شيراك.
فشيراك رأى في الابتعاد عن أميركا ومساندة القضايا العربية مصلحة لبلاده. أما ساركوزي فيرى هذه المصلحة في اتخاذ مواقف داعمة لإسرائيل ولسياسات أميركا الشرق اوسطية. مهمة العرب أن ينتهجوا سياسة تستهدف إقناع ساركوزي أن لبلاده في الإبقاء على علاقاتها الطيبة مع الدول العربية، وفي دعم موقفها حول سبل حل الصراع العربي- الإسرائيلي تحديداً، مصلحة لبلاده أيضاً.
لكن لا يوجد شيء اسمه سياسة عربية. هنالك سياسات لدول تلتقي حيناً وتختلف في معظم الأحيان. وبالتالي فإن أي جهد للتواصل مع الرئاسة الفرنسية الجديدة سيكون مبادرات فردية تقوم بها كل دولة عربية على حدة. وهذا سيجعل جذب ساركوزي نحو المواقف العربية أمراً صعباً، وربما، متعذراً.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد