ذات حلم تبدد سريعاً، اعتقدت قوى وطنية سورية أن ربيع الحرية حلّ على دمشق. تولي الرئيس بشار الأسد السلطة خلفا لوالده العام 2000 ترافق مع خطاب سياسي أوحى بأن هناك وعياً بضرورة إزالة المنهج "التشاوشيسكي" في حكم دمشق. لكن ما تبع ذلك من أفعال على مدى السنوات السبع الماضية أثبت أن وعياً كهذا لم يتطور عند النظام السوري.
سريعاً تحول الحلم إلى كابوس لكل من آمن به. لم يعش ربيع دمشق طويلاً. واقتُلعت براعم الحرية المحدودة التي شهد ولادتها.
حدث ذلك رغم تواضع طلبات المعارضة. لم تناد هذه بتغيير النظام. لم تنشد ثورة تحقق الحكم الرشيد في سورية بين ليلة وضحاها. لم تنظم تظاهرات. لم تدعُ إلى اعتصامات. اقتصر عملها على جلسات فكرية في منتديات جلّ ما فعلته هو إطلاق حوار حول حال البلد والمطالبة بإصلاحات تدريجية تُخرج سورية من عتمة الحكم الشمولي.
وحتى حين تجرأت المعارضة السورية السلمية وارتكبت "جريمة" مطالبة السلطات إطلاق المعتقلين السياسيين ووقف انتهاك حقوق الإنسان التي ترتكب في وضح النهار، دعت إلى ذلك بهدوء مكتفية بالبيانات السياسية غير المستفزة.
وفي تلك الأثناء، انتهت الوصاية السورية على لبنان تحت ضغط التظاهرة المليونية التي أطلقت ربيع بيروت. حينذاك ارتكب بعض مناصري الحرية في دمشق "خطيئة" التوقيع على بيان يطالب بعلاقات سورية-لبنانية طبيعية. فكان ذلك بالنسبة للنظام السوري الشعرة التي قصمت ظهر البعير.
انتهى حلم الربيع. ضاقت طبائع الحكم الشمولية بفسحات التعبير الضيقة التي أتاحها النظام، مراوغاً وليس مقتنعاً، كما أثبتت فعائله.
بات المعارضون الذين يتحدثون عن التغيير السلمي والتدريجي نحو الديمقراطية في نقاشات في منتديات دمشق وحلب وفي بيانات عقلانية خطراً على الأمن القومي. صار أنور البني وعارف دليلة وميشيل كيلو ورفاقهم عملاء يشكل كبح جموح جنوحهم نحو الحرية شرطاً لحماية الأمن الوطني.
يقبع كل هؤلاء في السجون والمعتقلات الآن. بعضهم أُدين بتهم مبكية مضحكة على شاكلة الإساءة لسورية وتهديد الأمن الوطني. والبعض الآخر ينتظر إدانته بغيرها من التهم الجاهزة التي طالما استخدمتها الأنظمة الشمولية للبطش بالقوى الرافضة لظلمها.
تبخرت وعود الإصلاح التي أطلقها النظام. ما تزال "التشاوشيسكية" سيدة الموقف في دمشق. ولا عجب في ضوء ذلك أن اعتبر حزب البعث إلغاء شرط الحصول على إذن أمني قبل إقامة حفلات الزفاف في سورية إصلاحاً. لا عجب أن الحزب زاد عدد ممثليه في مجلس الشعب. ولا عجب أن هذا المجلس قرر أن يعيد ترشيح الرئيس الأسد لفترة رئاسية جديدة في استفتاء سينتهي إلى حصوله على 99% من أصوات الناخبين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد